مضيق هرمز.. بين رواية ترامب وقرار طهران
بين إعلان أمريكي عن فتح مضيق هرمز، وواقع ملاحي يقول إن الحركة لا تزال بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب، تتسع الفجوة بين رواية واشنطن وما يجري على الأرض. تقرير لفورين بوليسي يكشف زيف رواية ترامب. وفيما يبرز الرهان الأمريكي على أن يؤدي العدوان على إيران إلى إضعاف طهران وفك قبضتها عن هرمز، تشير الوقائع، إلى أن قرار فتح المضيق لا تملكه واشنطن أصلاً، بل يبقى قراراً إيرانياً.
إنه مفتوح تماماً.. هكذا أعلن دونالد ترامب عن مضيق هرمز، لكن السفن لم تتصرف على أساس أن المضيق مفتوح. فبينما تقول واشنطن إنها أزالت الألغام وأمّنت الممر، تكشف أرقام الملاحة أن عشرات السفن فقط تعبر يومياً، مقارنة بأكثر من مئة قبل الحرب... لتطرح معادلة مختلفة تماماً: هرمز لا يُفتح بالتصريحات، ولا بالبوارج وحدها.
ففي عالم دونالد ترامب، تبدو قصة مضيق هرمز محسومة: البحرية الأمريكية تدخلت، أزالت الألغام، وأعادت فتح واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. لكن رواية البيت الأبيض تصطدم بواقع آخر في البحر. مجلة "فورين بوليسي" ترصد فجوة واسعة بين ما تقوله واشنطن وما تفعله شركات الشحن.
فبحسب الأرقام قبل الحرب، كان متوسط السفن التي تعبر المضيق يبلغ نحو 129 سفينة يومياً، بينما استقر العدد بعد إعلان إزالة الألغام عند نحو 30 سفينة فقط. واللافت أن عدداً من السفن فضّل الإبحار بمحاذاة السواحل الإيرانية والعُمانية، بدلاً من استخدام طريق الشحن الرئيسي في وسط المضيق، وهو الطريق الذي تقول واشنطن إنها قامت بتطهيره وتأمينه.
المفارقة هنا أن المضيق لا يُفتح بقرار من رئيس أمريكي. فحتى إذا أزيلت الألغام، تبقى شركات الشحن أمام مخاطر الحرب، واحتمالات الهجمات، وإمكانية إعادة زرع الألغام، فضلاً عن ارتفاع كلفة التأمين وعدم اليقين بشأن استمرار أمن الممر.
ولهذا لا ينظر مالكو السفن إلى التصريحات السياسية، بل إلى مستوى الخطر وسلوك أطراف الصراع وكلفة التأمين واحتمال إغلاق المضيق مجدداً.
وتظهر أهمية ذلك في أرقام الطاقة أيضاً. فقبل الحرب، كان أكثر من 20 مليون برميل من النفط يومياً يمر عبر هرمز، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي، قبل أن ينخفض التدفق في أواخر أغسطس إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً.
وهنا تتضح خلفية الرهان الأمريكي. فواشنطن، ومن خلال العدوان والضغط العسكري، تراهن على إضعاف إيران وانتزاع القدرة منها على التحكم بمسار الملاحة، وبالتالي فك ما تعتبره حصاراً إيرانياً للمضيق.
لكن المعطيات التي يستند إليها المقال تقول إن النتيجة حتى الآن تسير في الاتجاه المعاكس.
فحتى القوة البحرية الأمريكية تستطيع إزالة لغم أو تأمين مسار محدد، لكنها لا تستطيع إجبار شركات الشحن على المخاطرة بسفن وشحنات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.
والأهم أن فتح هرمز ليس قراراً أمريكياً أصلاً؛ فالممر الذي تتحكم إيران بجزء أساسي من أمنه لا يعود إلى طبيعته بمجرد إعلان واشنطن ذلك. وبينما تقول الولايات المتحدة: "الطريق آمن"، يقول سلوك السوق: لسنا متأكدين بعد.
والنتيجة الأبرز أن العدوان الأمريكي، بدلاً من أن يفرض على طهران التخلي عن ورقة هرمز، قد يثبت العكس: أن قرار فتح المضيق يبقى في النهاية قراراً إيرانياً، وأن واشنطن تستطيع محاولة تأمين الطريق، لكنها لا تستطيع وحدها إعلان عودته إلى العمل الطبيعي.