10 أيار , 2026

الحرب على إيران تُربك الجمهوريين.. هل بدأ الحزب يتخلّى عن ترامب بصمت؟

تراجع شعبية الرئيس الأميركي يهدد أغلبية الجمهوريين في الكونغرس وسط انقسامات داخلية وأزمة اقتصادية متفاقمة

تدخل الولايات المتحدة مرحلة سياسية شديدة الحساسية مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في وقت يواجه فيه الحزب الجمهوري واحدة من أكثر أزماته تعقيدًا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

فالحرب على إيران، وما رافقها من اضطرابات اقتصادية وارتفاع كبير في أسعار الوقود والطاقة، بدأت تنعكس مباشرة على المزاج الشعبي الأميركي، بينما تتزايد الانقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه، وسط مخاوف حقيقية من خسارة الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ.

لكن الأخطر بالنسبة للجمهوريين لا يتمثل فقط في تراجع الأرقام الانتخابية، بل في التحول التدريجي داخل الحزب نحو ما بات يُعرف في واشنطن بـ:

“التبرؤ الهادئ من ترامب”.

وهو مسار سياسي غير معلن يحاول من خلاله عدد متزايد من استراتيجيي الحزب ومرشحيه الابتعاد تدريجيًا عن الرئيس الأميركي، خشية أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى استفتاء شعبي على سياساته وحروبه وأزماته الداخلية.


الحرب على إيران تضرب الداخل الأميركي

رغم أن إدارة ترامب حاولت تسويق المواجهة مع إيران باعتبارها “استعراض قوة” يعزز مكانة الولايات المتحدة عالميًا، إلا أن التداعيات الاقتصادية للحرب بدأت ترتد بقوة على الداخل الأميركي.

فمع تصاعد التوتر في الخليج وأزمة مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، حيث تجاوز سعر الغالون الواحد 4.5 دولارات في عدد من الولايات الأميركية.

هذا الارتفاع لم يكن مجرد أزمة طاقة عابرة، بل تحوّل إلى أزمة معيشية يومية بالنسبة للمواطن الأميركي، خصوصًا مع:

  • ارتفاع تكاليف النقل.
  • زيادة أسعار المواد الغذائية.
  • تضخم أسعار الخدمات.
  • تراجع القدرة الشرائية.

وبدلاً من أن يقطف الجمهوريون نتائج التخفيضات الضريبية التي روّج لها ترامب، وجدوا أنفسهم أمام موجة غضب شعبي واسعة، حتى داخل القاعدة الانتخابية المحافظة نفسها.


استطلاعات الرأي.. انهيار غير مسبوق

أحدث استطلاعات الرأي أظهرت تراجعًا حادًا في شعبية ترامب، حيث هبطت نسبة التأييد إلى نحو 36%، وهي من أدنى النسب التي سُجلت له منذ عودته إلى الرئاسة.

كما أظهرت استطلاعات أخرى أن:

  • 62% من الأميركيين يرفضون طريقة إدارة الحرب على إيران.
  • 59% يعتبرون أن اللجوء إلى القوة العسكرية كان قرارًا خاطئًا.
  • شريحة من الجمهوريين بدأت تفقد الثقة بإدارة ترامب للأزمات الاقتصادية.

واللافت أن حالة التراجع هذه لم تعد مقتصرة على المستقلين أو الديمقراطيين، بل امتدت إلى جزء من القاعدة الجمهورية التقليدية، وخاصة الناخبين المتضررين اقتصاديًا.


ترامب يفتح جبهات جديدة داخل حزبه

بدلاً من محاولة احتواء التراجع الشعبي، اختار ترامب التصعيد على أكثر من جبهة، في خطوة يرى كثير من الجمهوريين أنها تزيد الوضع تعقيدًا.

فالرئيس الأميركي:

  • واصل مهاجمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.
  • دخل في سجالات مع شخصيات دينية وسياسية.
  • أثار غضب المحافظين الإنجيليين بعد نشر صورة ساخرة شبّه فيها نفسه بالمسيح.
  • كثّف حملات الانتقام السياسي داخل الحزب الجمهوري.

هذا السلوك أثار مخاوف داخل الحزب من أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى معركة شخصية مرتبطة بترامب، بدل أن تكون مواجهة سياسية مع الديمقراطيين.


“حملة تطهير” داخل الحزب الجمهوري

يقود ترامب منذ أشهر ما يشبه “حملة تطهير” داخل الحزب الجمهوري، تستهدف النواب والسيناتورات الذين عارضوه في ملفات سابقة.

ومن أبرز الأمثلة:

  • استهداف النائب توماس ماسي في كنتاكي.
  • مهاجمة السيناتور بيل كاسيدي.
  • الضغط على مرشحين جمهوريين للانسحاب لصالح شخصيات موالية له.
  • إنفاق ملايين الدولارات لإسقاط معارضيه داخل الحزب.

وترى أوساط جمهورية أن هذه المعارك الداخلية تستنزف الحزب سياسيًا وماليًا، في وقت يحتاج فيه الجمهوريون إلى توحيد صفوفهم لمواجهة الديمقراطيين.


توماس ماسي.. التمرد المحافظ داخل الحزب

تحوّل النائب الجمهوري توماس ماسي إلى أحد أبرز وجوه التمرد داخل الحزب الجمهوري ضد ترامب.

فماسي، المحسوب على التيار الليبرتاري المحافظ، عارض:

  • الحرب على إيران.
  • زيادة الإنفاق الحكومي.
  • التخفيضات الضريبية المكلفة.
  • التدخلات الخارجية.

كما قاد تحركات تشريعية حساسة تتعلق بملفات جيفري إبستين، ما وضعه في مواجهة مباشرة مع ترامب.

ويرى مراقبون أن الصراع بين الرجلين لم يعد شخصيًا فقط، بل بات يعكس انقسامًا أيديولوجيًا عميقًا داخل الحزب الجمهوري بين:

  • تيار قومي شعبوي يقوده ترامب.
  • وتيار محافظ تقليدي يرفض التوسع العسكري والإنفاق الضخم.

الجمهوريون يخشون “الاستفتاء على ترامب”

في الكواليس السياسية، بدأت شخصيات جمهورية واستراتيجيو حملات انتخابية يعتمدون مقاربة جديدة تقوم على:

“التبرؤ الهادئ”.

أي الابتعاد التدريجي عن ترامب من دون الدخول في مواجهة علنية معه.

ويحاول هؤلاء:

  • التركيز على القضايا المحلية.
  • تجنب ربط حملاتهم بشخص ترامب.
  • الابتعاد عن خطاب الحرب والصراعات الخارجية.
  • تقديم أنفسهم كمرشحين مستقلين نسبيًا عن البيت الأبيض.

والسبب واضح:
الخوف من أن تتحول الانتخابات النصفية إلى تصويت شعبي ضد ترامب نفسه.


الديمقراطيون يستفيدون من الفوضى الجمهورية

في المقابل، يبدو الحزب الديمقراطي أكثر تفاؤلًا من أي وقت مضى.

فاستطلاعات الرأي تشير إلى:

  • تقدم الديمقراطيين بفارق يتجاوز 5 نقاط.
  • تحسن فرصهم في ولايات كانت محسوبة تقليديًا على الجمهوريين.
  • ارتفاع شعبية بعض المرشحين الديمقراطيين في ولايات حاسمة.

كما يستفيد الديمقراطيون من:

  • الغضب الشعبي بسبب الاقتصاد.
  • الانقسامات الجمهورية.
  • إرهاق الشارع الأميركي من الحروب الخارجية.

أزمة إعادة رسم الدوائر الانتخابية

زاد الوضع تعقيدًا بعدما ارتدت على الجمهوريين محاولاتهم لإعادة رسم الدوائر الانتخابية بما يخدم مصالحهم السياسية.

فبعدما ضغط ترامب لإعادة تقسيم بعض الدوائر لضمان حماية الأغلبية الجمهورية، ردّ الديمقراطيون بإجراءات مماثلة في ولايات أخرى، ما فتح الباب أمام خسائر غير متوقعة للجمهوريين.

وبدأت أصوات داخل الحزب تحذر من أن هذه الاستراتيجية قد تتحول إلى:

“خطأ استراتيجي كارثي”.


هل يتحول ترامب إلى عبء انتخابي؟

قبل أشهر فقط، كان ترامب يُنظر إليه باعتباره الرجل الأقوى داخل الحزب الجمهوري بلا منازع.

أما اليوم، فالمشهد يبدو أكثر تعقيدًا:

  • شعبية متراجعة.
  • اقتصاد مضطرب.
  • حرب مكلفة.
  • انقسامات داخلية.
  • وقلق متزايد داخل الحزب.

ولهذا بدأت قطاعات واسعة من الجمهوريين تتساءل بصمت:

هل أصبح ترامب عبئًا انتخابيًا بدل أن يكون ورقة قوة؟


الانتخابات المقبلة.. معركة على مستقبل الحزب الجمهوري

لم تعد الانتخابات النصفية المقبلة مجرد معركة على مقاعد الكونغرس، بل تحوّلت إلى اختبار حاسم لمستقبل الحزب الجمهوري نفسه.

فالنتائج لن تحدد فقط من يسيطر على مجلسَي النواب والشيوخ، بل ستجيب أيضًا عن سؤال أكبر:

هل ما زال ترامب قادرًا على قيادة الحزب الجمهوري؟

أم أن الحزب بدأ فعليًا البحث عن مرحلة “ما بعد ترامب”؟

 
Add to Home screen
This app can be installed in your home screen