المُحوَّلون على يد الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا
عرض كتاب «المُحوَّلون على يد الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا»
في الثامن من كانون الأول 2024، ومع فرار بشار الأسد إلى موسكو، كانت التقديرات التحليلية الغربية تميل إلى توقّع أسوأ السيناريوهات. فقد درجت دوائر الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية على التعامل مع «هيئة تحرير الشام» بوصفها امتداداً للجهادية العالمية وفرعاً من تنظيم القاعدة، أي كياناً غيّر شكله الظاهر دون أن يمس بنيته العميقة. غير أن تسارع سقوط المدن—من حلب إلى حماة فحمص، وصولاً إلى دمشق—قلب تلك التصورات رأساً على عقب. وبدلاً من موجة انتقام طائفي أو تطبيق صارم للحدود، وجد دبلوماسيون غربيون أنفسهم أمام خطاب براغماتي يتحدث بلغة الدولة ومصالحها، لا بلغة الفتح والتكفير.
كيف يمكن تفسير هذا التحول؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يتصدى له كتاب «المُحوَّلون على يد الشعب»، الصادر عن دار هيرست في لندن عام 2025. يقدم المؤلفان محاولة تحليلية دقيقة للإجابة عن إشكاليتين مترابطتين: هل التحول الذي شهدته الهيئة كان حقيقياً أم مجرد مناورة تكتيكية؟ وإذا كان حقيقياً، فما العوامل التي أنتجته؟ ويخلص الكتاب إلى نتيجة غير مريحة: التحول كان، في جانب كبير منه، فعلياً، ولم يكن نتيجة خطة مسبقة، بل ثمرة ضغط اجتماعي متراكم أعاد تشكيل الحركة من الداخل، في مسار يقارب ما يُعرف تاريخياً بالمنعطف الثيرميدوري.
أصحاب الكتاب وميدانهم
لا ينطلق هيني ودريفون من موقع نظري مجرد، بل من خبرة ميدانية مباشرة. فالأول باحث بارز في دراسات الإسلام السياسي، فيما تخصص الثاني في تحليل الحركات الجهادية. وقد أقاما منذ عام 2019 تواصلاً مباشراً مع قيادة الهيئة في إدلب، بطلب من الأخيرة، ما أتاح لهما الوصول إلى دوائر القرار العليا وإجراء مقابلات معمقة مع شخصيات محورية، بينها أحمد الشرع وعبد الرحيم عطون. ويقر المؤلفان بأن هذا القرب أتاح فهماً نوعياً، لكنه في الوقت ذاته حدّ من قدرتهم على الإحاطة بالجوانب الأكثر قتامة، خاصة ما يتعلق بالأجهزة الأمنية.
تكمن قوة الكتاب في اعتماده على عمل ميداني ممتد لسنوات، شمل طيفاً واسعاً من الفاعلين: مدنيين، معارضين، ناشطين، رجال دين، مسؤولين، ومنشقين. لذلك، فإن الشهادات التي يوردها لا تأتي بوصفها اقتباسات معزولة، بل ضمن سياق علائقي متماسك.
الإطار النظري: الثيرميدور كأداة تفسير
يستند التحليل إلى مفهوم “الثيرميدور”، المستمد من الثورة الفرنسية، والذي يشير إلى المرحلة التي تتراجع فيها الحركات الثورية عن راديكاليتها تحت ضغط الواقع. لا يعني ذلك التخلي عن المشروع، بل إعادة صياغته بما ينسجم مع ضرورات الحكم. ومن هذا المنظور، يقرأ المؤلفان تجربة هيئة تحرير الشام كحركة اصطدمت بمجتمع لم يتقبل أيديولوجيتها، واضطرت—تحت ضغط الداخل والخارج—إلى التكيف.
ويبرز هنا مفهوما “ثأر المجتمع” و“الخمول الاجتماعي”، أي قدرة البنى التقليدية على مقاومة التغيير القسري وإعادة تشكيل الفاعل السياسي. وبهذا المعنى، يصبح التحول نتيجة تراكم ضغوط عملية، لا مراجعة عقدية صريحة. وهو ما يسميه الكاتبان “إزالة التطرف الصامتة”، حيث تتراكم التنازلات التكتيكية تدريجياً حتى تتحول إلى بنية استراتيجية يصعب التراجع عنها.
جبهة النصرة: اختلاف في النشأة
يكشف الكتاب أن أحمد الشرع لم يكن نسخة مطابقة لتنظيم الدولة في العراق. فمنذ البدايات، برزت اختلافات واضحة بينه وبين أبو بكر البغدادي، سواء في الموقف من استهداف المدنيين أو في التعامل مع التنوع المذهبي. وتُظهر الوثائق والتحليلات أن الشرع احتفظ بهامش استقلال مبكر، ما جعله فاعلاً لا تابعاً داخل الشبكات الجهادية.
الحوكمة كآلية تحول
يعد فصل «تفكيك الماضي المتطرف» من أكثر فصول الكتاب إقناعاً، إذ يبيّن كيف أن ممارسة الحكم نفسها أسهمت في إعادة تشكيل الحركة. فإدارة مجتمع معقد—بمؤسساته وخدماته—فرضت على الهيئة الانخراط في شبكات اجتماعية لا يمكن تكفيرها أو تجاهلها، ما أدى إلى تليين خطابها وممارساتها.
ومن أبرز المحطات في هذا السياق قرار عام 2018 بتفكيك البنى المحلية التقليدية، واستبدالها بجهاز إداري مركزي يعتمد على تكنوقراط إسلاميين. لم يكن هذا التحول تعبيراً عن مراجعة فكرية بقدر ما كان استجابة لحاجات الضبط المؤسسي وإدارة السكان، ما يعزز فرضية أن السياسة، لا العقيدة، كانت المحرك الأول.
التحول الديني: من السلفية إلى البراغماتية
تُظهر الفصول المتعلقة بعلاقة الهيئة بالسلفية والتصوف تحولات لافتة. فالحركة التي كانت تعادي التصوف، انتهت إلى احتوائه جزئياً، والسماح بممارساته، بل والتعامل معه كمكوّن اجتماعي لا يمكن تجاهله. غير أن المؤلفين يفسرون هذا التحول بوصفه مقايضة سياسية—تهدف إلى تحييد فاعلين اجتماعيين—لا تحولاً روحياً عميقاً.
الأقليات: بين الإشارات الرمزية والواقع المعقد
في تناوله لعلاقة الهيئة بالأقليات، يرصد الكتاب مزيجاً من التغيرات الرمزية والقيود العملية. فبعض المواقف—كتصريحات الشرع حول حرية الاعتقاد—تشير إلى مراجعات مهمة، لكنها لا تلغي استمرار التوترات على المستوى اليومي، ما يعكس فجوة بين خطاب القيادة وممارسات القاعدة.
احتجاجات إدلب: حدود التحول
تكشف احتجاجات 2024 أن عملية “إزالة التطرف” لم تُنتج نظاماً ديمقراطياً، بل نموذجاً سلطوياً أكثر مرونة. فقد تعاملت الهيئة مع الاحتجاجات بمزيج من التنازلات المحدودة والضبط الأمني، ما يعكس انتقالها من الراديكالية الأيديولوجية إلى براغماتية سلطوية.
ما يقوله الكتاب وما يتجنبه
رغم عمق التحليل، يقر المؤلفان بوجود ثغرات، أبرزها ضعف التناول التفصيلي للجانب القسري في حكم الهيئة. كما أن بعض المقارنات—خصوصاً مع اليمين الأوروبي—تظل جزئية ولا تنطبق بالكامل على السياق السوري.
ويظل السؤال الأعمق مفتوحاً: هل نجح هذا التحول في إعادة تشكيل البنية الفكرية للحركة، أم أنه بقي في إطار التكيف السياسي دون مساس جوهري بالعقيدة؟
ما بعد دمشق: مفارقة التحول
تُبرز خاتمة الكتاب مفارقة لافتة: فالحركة التي خففت من تطرفها في القمة، واجهت تصاعد أشكال جديدة من التطرف في القاعدة الاجتماعية، ما يطرح تحديات معقدة أمام قدرتها على الاستمرار في مسارها الجديد.
خلاصة
يمثل «المُحوَّلون على يد الشعب» إضافة نوعية في دراسة تحولات الحركات الأيديولوجية. فهو لا يقدّم صورة تبسيطية، بل يضع القارئ أمام واقع مركّب، حيث تتداخل البراغماتية السياسية مع الإرث الأيديولوجي، ويعيد المجتمع تشكيل الفاعل الذي يسعى إلى حكمه.
بهذا المعنى، لا يروي الكتاب قصة تحول مكتمل، بل يفتح سؤالاً مستمراً: إلى أي مدى تستطيع ضرورات الحكم أن تعيد صياغة الحركات الراديكالية، دون أن تفقد جوهرها أو تعود إليه في لحظة ما؟