صنعاء: اليمن أفشل الإغراءات وفرض معادلات جديدة في البحر الأحمر
في واحدة من أكثر المحطات حساسية وتحولاً في تاريخ الصراع الإقليمي، برزت معركة البحر الأحمر التي خاضتها القوات المسلحة اليمنية بوصفها حدثاً استثنائياً أعاد رسم التوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة، وفرض حضور اليمن لاعباً فاعلاً في معادلات البحر والأمن الإقليمي، بعدما نجحت صنعاء في نقل المواجهة إلى قلب البحر الأحمر وفرض حصار بحري غير مسبوق على كيان العدو الإسرائيلي.
ومنذ انطلاق معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” إسناداً لقطاع غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي، تحولت السواحل والممرات البحرية إلى ساحة اشتباك مفتوحة أربكت واشنطن وتل أبيب، بعدما تمكنت القوات المسلحة اليمنية من فرض معادلات جديدة رغم الحصار والإمكانات المحدودة، لتدخل المنطقة مرحلة مختلفة من المواجهة عنوانها كسر الهيمنة الأمريكية على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وخلال ندوة نظمتها دائرة التوجيه المعنوي في صنعاء، كُشفت أبعاد جديدة للمعركة البحرية اليمنية، حيث أكد نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي العميد عبد الله بن عامر أن اليمن تلقى عروضاً ومغريات كبيرة مقابل التخلي عن موقفه المساند لغزة، إلا أن صنعاء رفضت تلك العروض بصورة قاطعة، وواصلت عملياتها العسكرية دعماً للمقاومة الفلسطينية.
وأشار العميد بن عامر إلى أن ما تحقق في البحر الأحمر لم يكن مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحول استراتيجي بات محل دراسة واهتمام لدى مراكز الأبحاث والخبراء العسكريين حول العالم، لافتاً إلى أن اليمن استطاع إحداث تغييرات جوهرية في مفاهيم الحرب البحرية الحديثة، وفرض أساليب قتالية جديدة دفعت قوى كبرى إلى إعادة النظر في عقائدها العسكرية.
وأوضح أن من أبرز نتائج هذه المعركة تحييد البحر الأحمر من أن يكون منصة للعمليات العدائية ضد الدول الإسلامية، إلى جانب تعزيز الحضور اليمني إقليمياً ودولياً، مؤكداً أن الأساليب القتالية اليمنية أصبحت مادة بحثية لدى قوى عسكرية كبرى تسعى لفهم التكتيكات التي استخدمت في مواجهة الأساطيل الأمريكية والغربية.
وأكد أن العدو الإسرائيلي فوجئ منذ اللحظة الأولى بتطور الإسناد اليمني لغزة، من الضربات الصاروخية المباشرة باتجاه عمق فلسطين المحتلة، وصولاً إلى فرض حصار بحري فعلي على الملاحة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن هذه هي المرة الأولى منذ عام 1973 التي يتم فيها تعطيل الملاحة المرتبطة بالعدو لفترة طويلة، بينما تمكن اليمن اليوم من مواصلة هذا الحصار على مدى عامين.
وعلى المستوى العسكري، أوضح بن عامر أن اليمن، رغم عدم امتلاكه قوة بحرية تقليدية، استطاع تقديم نموذج قتالي جديد في البحر الأحمر، خصوصاً بعد سنوات من استهداف العدوان للبنية البحرية اليمنية وخفر السواحل، مبيناً أن المعركة كشفت قدرة اليمن على مواجهة أقوى بحرية في العالم بأسلحة منخفضة الكلفة وبتكتيكات غير تقليدية.
وأشار إلى أن اليمن أصبح أول دولة تستخدم الصواريخ الباليستية في استهداف حاملات الطائرات والأهداف البحرية المتحركة، وهو ما دفع العديد من مراكز الدراسات العسكرية العالمية إلى متابعة التطورات الميدانية بدقة، والدعوة إلى تعديل مناهج الكليات البحرية والعسكرية في ضوء ما فرضته التجربة اليمنية من متغيرات.
وفي السياق ذاته، اعتبر باحثون ومشاركون في الندوة أن معركة البحر الأحمر مثّلت بداية نهاية الهيمنة المطلقة للبحرية الأمريكية، حيث أوضح الباحث زكريا الشرعبي أن الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وجدت حاملات طائراتها تحت تهديد مباشر ومستمر، ما أدى إلى تآكل صورة “الردع الأمريكي” وتحول حاملات الطائرات من أدوات ضغط وهيمنة إلى أهداف محاصرة تحت نيران غير متناظرة.
وأضاف أن واشنطن اضطرت خلال المواجهة إلى استخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن لمواجهة طائرات مسيرة منخفضة الكلفة، في معركة استنزاف كشفت هشاشة العقيدة العسكرية الأمريكية أمام أساليب المواجهة الجديدة.
بدوره، شدد العقيد رشاد الوتيري على أهمية مواكبة الإعلام للتطورات التي فرضتها المعركة البحرية، معتبراً أن اليمن استطاع تقديم نموذج جهادي قائم على المواجهة المباشرة مع قوى الاستكبار، وأن هذه المعركة يجب أن تُوثق باعتبارها محطة فاصلة في تاريخ المنطقة وإنهاءً لمرحلة الهيمنة الأحادية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فأكد الخبير الاقتصادي رشيد الحداد أن اليمن نجح في فرض معادلة اقتصادية جديدة أربكت المشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة، موضحاً أن الحصار البحري اليمني دفع قوى إقليمية إلى البحث عن ممرات بديلة تمتد لمئات الكيلومترات للالتفاف على القرار اليمني.
وأشار الحداد إلى أن صنعاء استخدمت الجغرافيا كسلاح سيادي للدفاع عن غزة، وأثبتت أن البحر الأحمر لم يعد ممراً آمناً للهيمنة الأمريكية أو للملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، مؤكداً أن اليمن بات رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية، وقوة قادرة على فرض تكتيكات جديدة تجبر القوى الكبرى على إعادة حساباتها السياسية والعسكرية.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو معركة البحر الأحمر أبعد من مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محطة مفصلية أعادت تعريف موازين القوة في المنطقة، ورسخت حضور اليمن لاعباً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة و"إسرائيل" تحديات غير مسبوقة في واحدة من أكثر الجبهات حساسية واستراتيجية في العالم.