الهجرة تضرب الكيان من الداخل... الهجرة تهدد الأمن والاقتصاد
كشفت دراسة صادرة عن جامعة تل أبيب عن تسجيل الهجرة من الكيان مستويات قياسية للعام الثالث على التوالي، في ظل استمرار مغادرة عشرات آلاف الإسرائيليين، وسط تحذيرات إسرائيلية من انعكاسات متزايدة على الأمن والاقتصاد
طوال عقود، روّجت إسرائيل لنفسها باعتبارها "أرض الفرص" ووجهةً للهجرة إليها. لكن المشهد اليوم يبدو معكوساً؛ فبدلاً من استقبال المهاجرين، تواجه موجة خروج متصاعدة من داخلها. اللافت أن المغادرين ليسوا من الفئات الهامشية، بل من الأطباء والمهندسين والأكاديميين، أولئك الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي.
دراسة حديثة أعدها باحثون في جامعة تل أبيب أظهرت أن نحو واحد وتسعين ألف إسرائيلي غادروا البلاد لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر خلال عام 2025، وهو رقم يقارب المستويات القياسية المسجلة في عامي 2023 و2024، ليصل إجمالي المغادرين خلال ثلاثة أعوام إلى نحو مئتين وسبعين ألف شخص.
وتشير الدراسة إلى أن متوسط الهجرة السنوية ارتفع إلى نحو تسعين ألف مغادر، مقارنة بنحو ستين ألفاً فقط خلال العقد الذي سبق عام 2020، ما يعكس تحولاً واضحاً في اتجاهات الهجرة داخل المجتمع الإسرائيلي.
الأخطر، بحسب الباحثين، أن الموجة الحالية تتركز بين أصحاب الكفاءات العالية، من أطباء ومهندسين وأكاديميين وحملة شهادات عليا، وهي الفئات التي يعتمد عليها الاقتصاد الإسرائيلي، ولا سيما قطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي يمثل أحد أهم محركات النمو.
وحذر معدّو الدراسة من أن استمرار هذا الاتجاه قد يقود إلى ما وصفوه بـ"نقطة الانهيار"، مع تزايد فقدان رأس المال البشري، وما يرافق ذلك من تراجع في القدرة الاقتصادية والعلمية، وانعكاسات مباشرة على الأمن القومي.
وتتزامن هذه النتائج مع تقارير اقتصادية تحدثت عن أول تراجع في أعداد مهندسي البحث والتطوير منذ أكثر من عقد، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإسرائيلي ضغوطاً متزايدة بفعل الحروب المتلاحقة، وارتفاع الإنفاق العسكري، وتراجع الاستثمارات.
وفي السياق نفسه، يرى خبراء إسرائيليون أن استمرار تصاعد الهجرة بهذه الوتيرة قد يهدد استقرار الاقتصاد وأمن إسرائيل على المدى المتوسط، بينما أثارت تصريحات لنائبة في الكنيست جدلاً واسعاً بعدما اعتبرت أن الحكومة، التي وعدت بدفع سكان غزة إلى الهجرة، انتهى بها الأمر إلى تشجيع الهجرة الطوعية من داخل إسرائيل نفسها.
ومع تزايد الخسائر الاقتصادية وتراجع الثقة بمستقبل الاستقرار، تبدو الهجرة اليوم مؤشراً لا يقتصر على الأرقام، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بالشعور بالأمن، والثقة بالقيادة، والقدرة على استشراف المستقبل.
وبينما يواصل الكيان الحديث عن التحديات الأمنية على حدوده، تكشف المؤشرات أن أحد أخطر التحديات يتشكل داخلها. وإذا استمر هذا النزيف، فإن معركة إسرائيل المقبلة قد لا تكون على الجبهات العسكرية، بل في مواجهة أزمة داخلية تمس مستقبلها الديموغرافي والاقتصادي.