هرمز... ورقة الردع الإيرانية التي تعجز واشنطن عن انتزاعها
يتصدر مضيق هرمز مجدداً واجهة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد المواجهة السياسية والعسكرية حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فبينما تعمل واشنطن على تقليص النفوذ الإيراني عبر تحركات عسكرية ومشاريع بديلة لطرق التجارة والطاقة، تؤكد طهران أن المضيق جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي محاولة لتغيير معادلاته ستواجه برد يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية أو سياسية.
ليست كل الحروب تُخاض من أجل احتلال المدن... بعضها يُخاض للسيطرة على الطرق التي تتحرك عبرها ثروات العالم.
وبين الخليج وبحر عُمان، يقف مضيق هرمز كأحد أهم المفاتيح الاستراتيجية على مستوى العالم، حيث يعبر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
ولهذا، لم يعد المضيق مجرد ممر مائي، بل تحول إلى عنوان للصراع على النفوذ بين إيران والولايات المتحدة.
وترى طهران أن واشنطن لا تستهدف برنامجها النووي أو قدراتها العسكرية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى انتزاع أهم أوراق القوة الجيوسياسية التي تمتلكها، والمتمثلة في موقعها الجغرافي وسيطرتها على الضفة الشمالية للمضيق.
لذلك، تتحرك الإدارة الأميركية على أكثر من مسار، يبدأ بتعزيز الوجود العسكري في الخليج، ويمر بمحاولات فرض ترتيبات جديدة لحركة الملاحة، ولا ينتهي عند إطلاق مشاريع نقل وتجارية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً.
وفي هذا الإطار، تدعم واشنطن إنشاء ممرات بحرية بديلة، وتروج لمشاريع إقليمية مثل الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-الأوروبي، إضافة إلى مشاريع الربط البري والسككي عبر العراق وتركيا، في محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة والطاقة بما يحد من التأثير الإيراني على الاقتصاد العالمي.
في المقابل، تؤكد إيران أن إدارة المضيق حق سيادي للدول المشاطئة، وترفض أي وجود أو وصاية من قوى خارج المنطقة. كما تواصل التنسيق مع سلطنة عُمان للوصول إلى آليات مشتركة لتنظيم حركة الملاحة، انطلاقاً من قناعة بأن أمن الخليج يجب أن تصنعه دوله، لا الأساطيل الأجنبية.
وترى القيادة الإيرانية أن مضيق هرمز ليس ورقة مساومة في المفاوضات، بل جزء من منظومة الأمن القومي والردع الاستراتيجي. لذلك، تؤكد أن أي اعتداء يستهدف سيادتها أو بنيتها التحتية ستكون له تداعيات مباشرة على أمن المنطقة، وهو ما يجعل الخيار العسكري، بحسب العديد من التقديرات، مكلفاً ومعقداً، حتى بالنسبة للولايات المتحدة.
كما تشير طهران إلى أن المشاريع البديلة، رغم الضجيج السياسي الذي يرافقها، تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات هائلة، ولا يمكنها في المستقبل القريب أن تحل محل الممر الذي لا يزال يشكل الشريان الرئيسي لصادرات الطاقة العالمية.
وبين محاولات واشنطن لتقليص أهمية مضيق هرمز، وإصرار إيران على اعتباره جزءاً من سيادتها وأمنها القومي، يبقى الصراع مفتوحاً على واحدة من أهم العقد الجيوسياسية في العالم.
فقد أثبتت الجغرافيا أنها أقوى من الضغوط العسكرية، وأن هرمز سيبقى ورقة ردع استراتيجية تمنح طهران ثقلاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو اقتصادية تخص المنطقة والعالم.