الضفة تحت إعادة التشكيل... الاستيطان يرسم جغرافيا جديدة بالقوة
تشهد الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة تصعيداً غير مسبوق في التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، في ظل إجراءات عسكرية متواصلة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. وتكشف قراءات ميدانية أن ما يجري لم يعد يقتصر على بناء مستوطنات جديدة، بل أصبح مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية والتحكم بحركة السكان واستخدامهم لأراضيهم.
لا تُسرق الأرض دائماً بجرافة أو قرار مصادرة، بل قد تُنتزع طريقاً بعد طريق، وتلةً بعد أخرى، وبئراً بعد بئر.
هكذا يتقدم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية؛ بخطوات تبدو متفرقة لكنها تصنع، مع مرور الوقت، خريطة جديدة.
وبينما ينشغل العالم بعدّ المستوطنات، يعيد الاحتلال رسم الجغرافيا الفلسطينية بصمت، محولاً القرى إلى جزر معزولة، والأرض إلى مساحة تخضع لقواعد جديدة تفرضها القوة.
تكشف المتابعة الميدانية لتطورات الضفة الغربية أن المشروع الاستيطاني دخل مرحلة تتجاوز توسيع المستوطنات التقليدية، ليركز على إعادة تنظيم الحيز الجغرافي الفلسطيني عبر منظومة متكاملة تجمع بين البؤر الاستيطانية واعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية الإسرائيلية.
وتشير المعطيات إلى أن مناطق جنوب نابلس، وشمال وشرق رام الله، ومسافر يطا، والأغوار الشمالية، وسلفيت، تشهد أنماطاً متشابهة من النشاط الاستيطاني، رغم اختلاف طبيعتها الجغرافية. فالهدف لم يعد الاستيلاء على قطعة أرض فقط، بل تغيير كيفية استخدام الفلسطينيين للمكان، وتقليص قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومصادر المياه وطرقهم الرئيسية.
ويعتمد هذا النهج على إقامة بؤر استيطانية فوق المرتفعات المشرفة على القرى، بما يمنح المستوطنين قدرة أكبر على مراقبة الطرق والتحكم بالمحيط، بالتوازي مع إغلاق المداخل والطرق الزراعية، وفرض قيود متواصلة على حركة السكان، ما يؤدي تدريجياً إلى عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.
كما تلعب مصادر المياه دوراً محورياً في هذا المشروع، إذ تتكرر عمليات السيطرة على الآبار والينابيع، إلى جانب الاعتداءات على المزارعين والرعاة، في محاولة لإضعاف مقومات البقاء الفلسطيني، ودفع السكان إلى تقليص وجودهم في المناطق المستهدفة، خاصة في الأغوار ومسافر يطا.
ولا تنفصل اعتداءات المستوطنين عن هذا المسار، إذ تتحول إلى أداة ميدانية لتوسيع النفوذ خارج حدود المستوطنات، بينما يوفر جيش الاحتلال الحماية لهذه الاعتداءات، أو يتدخل لفرض نتائجها على الأرض، بما يجعل النشاط الاستيطاني جزءاً من مشروع متكامل لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية.
ما تشهده الضفة الغربية اليوم لا يقتصر على توسع استيطاني، بل يمثل عملية إعادة هندسة للجغرافيا الفلسطينية، تستهدف الأرض والإنسان معاً. وبينما تتواصل سياسة فرض الوقائع بالقوة، يبقى الصراع على المكان عنواناً رئيسياً للمواجهة، في ظل محاولات مستمرة لتغيير هوية الأرض وحدودها ومستقبلها.