كنيست العدو يحل نفسه بالاجماع ماذا عن المسار السياسي والقانوني.
يشهد النظام السياسي الإسرائيلي واحدة من أكثر أزماته تعقيداً منذ سنوات، بعد انتقال الجدل حول مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو من مستوى المناورات السياسية إلى المسار التشريعي الرسمي داخل الكنيست. فقد صادقت الهيئة العامة للكنيست، الأربعاء، بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون حلّ الكنيست، بتأييد 110 أعضاء ممن شاركوا في التصويت ومن دون أي معارضة، في خطوة تعكس عمق الأزمة داخل الائتلاف الحاكم، لكنها لا تعني بعدُ سقوط الحكومة قانونياً أو الذهاب الفوري إلى انتخابات مبكرة.
ورغم أن التصويت يحمل دلالة سياسية ثقيلة، فإن القانون الإسرائيلي يفرض مساراً دستورياً وإجرائياً واضحاً قبل أن يصبح حلّ الكنيست نافذاً. فمشروع القانون يحتاج بعد القراءة التمهيدية إلى المرور بالقراءة الأولى، ثم الإحالة إلى إحدى لجان الكنيست، قبل العودة إلى الهيئة العامة لإقراره في القراءتين الثانية والثالثة، على أن يحظى في القراءة النهائية بتأييد 61 نائباً على الأقل من أصل 120. ولذلك، فإن ما حدث حتى الآن يمثل انتقال الأزمة من التهديد السياسي إلى المسار التشريعي، لكنه لا يشكل حلاً قانونياً نهائياً للكنيست.
وتنص الصيغة المطروحة حالياً على أن الانتخابات لا يمكن أن تُجرى إلا بعد مرور 90 يوماً على إقرار قانون حلّ الكنيست بصورة نهائية، ما يجعل توقيت الانتخابات جزءاً أساسياً من الصراع السياسي الدائر داخل الائتلاف والمعارضة. وهنا تظهر أهمية لجنة الكنيست، التي تحولت من إطار إجرائي تقني إلى ساحة سياسية حاسمة، لأن الطرف الذي ينجح في فرض موعد الانتخابات يملك أفضلية استراتيجية في إدارة المرحلة المقبلة.
الأزمة الحالية ترتبط مباشرة بملف “قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية”، الذي تحول من قضية قطاعية تخص الأحزاب الدينية إلى أزمة تمس العلاقة بين الجيش والقضاء والسلطة السياسية. فالجيش الإسرائيلي، في ظل الحرب المستمرة في غزة واستنزاف قوات الاحتياط، يطالب بتوسيع قاعدة التجنيد وزيادة القوى البشرية، بينما تضغط المحكمة العليا الإسرائيلية باتجاه تطبيق الخدمة العسكرية على الحريديم وفرض إجراءات تنفيذية بحق المتهربين من الخدمة. في المقابل، تتمسك الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها “ديغل هتوراه” و”شاس”، بحماية طلاب المعاهد الدينية من أي تجنيد واسع.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر في حزب “ديغل هتوراه” أن الحزب سيدعم أيضاً مشاريع القوانين التي قدمتها المعارضة لحلّ الكنيست، مؤكداً أن الحزب “يدرك جميع مناورات نتنياهو” ويريد التوجه إلى انتخابات مبكرة “في أقرب وقت ممكن”، مع ترجيحات بإجرائها في الأول من أيلول/سبتمبر المقبل. ويعكس هذا الموقف تراجع الثقة بين الأحزاب الحريدية ونتنياهو، إذ لم تعد الأزمة مرتبطة بمجرد وعود مؤجلة، بل بمدى قدرة رئيس الحكومة نفسه على تمرير قانون يرضي الحريديم داخل كنيست منقسمة وأغلبية هشة.
في المقابل، تشير المعطيات إلى وجود تباين داخل المعسكر الحريدي نفسه. فحزب “شاس” يدفع باتجاه تحديد موعد الانتخابات في منتصف أيلول/سبتمبر، بينما لا يزال موقفه النهائي من دعم مشاريع المعارضة لحلّ الكنيست غير محسوم، وسط حديث عن تنسيق محتمل بين زعيم الحزب أرييه درعي ونتنياهو. وهذا التباين يكشف أن الحريديم لا يسعون بالضرورة إلى إسقاط نتنياهو نهائياً، بل إلى رفع كلفة بقائهم داخل ائتلافه والحصول على ضمانات سياسية وقانونية تتعلق بقانون التجنيد.
وتزداد حساسية الأزمة بسبب تزامنها مع الحرب المستمرة على غزة والتوترات الإقليمية. فالحرب التي استخدمها نتنياهو طويلاً لتعزيز خطاب “القيادة الأمنية” تحولت تدريجياً إلى مصدر ضغط داخلي، لأن استمرار القتال واستنزاف قوات الاحتياط يطرحان أسئلة متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي حول “المساواة في العبء”، ولماذا يبقى الحريديم خارج الخدمة العسكرية بينما تتحمل قطاعات أخرى العبء الأكبر من الحرب.
وفي الوقت نفسه، تستفيد المعارضة الإسرائيلية من الأزمة عبر طرح خطاب يركز على العدالة في توزيع الأعباء العسكرية، أكثر من تركيزه على مهاجمة نتنياهو شخصياً. وقد منح هذا الخطاب المعارضة فرصة لاختراق جزء من جمهور اليمين والاحتياط العسكري، خصوصاً مع بروز تحالفات جديدة تجمع شخصيات مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد، مع احتمالات انضمام شخصيات أمنية بارزة مثل غادي آيزنكوت. ومع ذلك، لا تزال المعارضة تواجه معضلة بناء ائتلاف حكم متماسك، إذ إن نجاحها في الانتخابات لا يعني تلقائياً قدرتها على تشكيل حكومة مستقرة.
ورغم التصويت الواسع في القراءة التمهيدية، يواصل نتنياهو محاولاته لمنع الوصول إلى حلّ نهائي للكنيست، متمسكاً بإجراء الانتخابات في موعدها الأصلي نهاية تشرين الأول/أكتوبر، عبر مواصلة المفاوضات مع الأحزاب الحريدية ومحاولة كسب الوقت داخل اللجان البرلمانية. ويستند نتنياهو في ذلك إلى خبرته الطويلة في إدارة الأزمات الائتلافية وتحويل الانفجارات السياسية إلى مسارات تفاوضية طويلة تسمح بإعادة ترتيب التحالفات وتأجيل الحسم.
وعليه، فإن إسرائيل تبدو اليوم أمام أزمة مركبة تتجاوز مجرد حلّ الكنيست أو إجراء انتخابات مبكرة. فالقضية باتت تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الجيش والقضاء والأحزاب الدينية والدولة بعد الحرب. كما تكشف أن النظام السياسي الإسرائيلي دخل فعلياً مرحلة إعادة تشكل، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على بقاء نتنياهو أو رحيله، بل أصبح صراعاً حول شكل العقد السياسي والاجتماعي الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب، وحدود قدرة الدولة على إدارة التناقضات بين الأمن والدين والقضاء والسياسة.