• اعلام العدو: محلّقات حزب الله المفخخة أصبحت كابوسا للقيادة العسكرية الاسرائيلية

اقتصاد ومال

12 أيار , 2026

قمة بكين بين ترامب وشي: صراع النفوذ العالمي من بوابة الاقتصاد وإيران وتايوان

 

تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الصينية بكين، حيث تُعقد القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ عام 2017، وسط واحدة من أكثر المراحل توتراً في العلاقات الدولية. وتأتي القمة في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أعادت الحرب على إيران خلط الأوراق الجيوسياسية والاقتصادية، ودفعت القوى الكبرى إلى إعادة تقييم موازين النفوذ والتحالفات.

اللقاء بين ترامب وشي لا يبدو مجرد محطة بروتوكولية لإعادة فتح قنوات الحوار بين أكبر اقتصادين في العالم، بل يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بمستقبل النظام الدولي، في ظل تصاعد الصراع على التجارة والتكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية، إلى جانب الملفات العسكرية والأمنية التي باتت تشكل مصدر قلق عالمي متزايد.

الحرب التجارية تعود إلى الواجهة

يشكل الملف الاقتصادي العنوان الأبرز على طاولة المباحثات. فالعلاقات التجارية بين واشنطن وبكين شهدت خلال السنوات الماضية تصعيداً غير مسبوق، بعدما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية ضخمة على الواردات الصينية، وصلت في بعض المراحل إلى مستويات قياسية، الأمر الذي دفع الصين إلى الرد بإجراءات مقابلة استهدفت قطاعات استراتيجية أميركية، خصوصاً المعادن النادرة والصناعات التكنولوجية.

وتسعى إدارة ترامب إلى تحقيق اختراق اقتصادي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خاصة في ظل الضغوط الداخلية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن واشنطن تريد انتزاع تعهدات صينية تتعلق بزيادة مشتريات النفط والغاز والمنتجات الزراعية الأميركية، إضافة إلى توسيع استثمارات الشركات الصينية داخل السوق الأميركية.

في المقابل، تعمل بكين على حماية اقتصادها من تداعيات أي تصعيد جديد، والحفاظ على تدفق التكنولوجيا الأميركية، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بعدما أصبحت هذه القطاعات ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين.

إيران في قلب القمة

الحرب على إيران فرضت نفسها بقوة على جدول أعمال القمة، خصوصاً بعد فشل الجهود الأميركية في فرض تسوية سريعة، واستمرار التوتر في مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وبالنسبة للصين، فإن أي اضطراب طويل الأمد في المنطقة يمثل تهديداً مباشراً لأمنها الطاقوي، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني والخليجي.

وتنظر واشنطن إلى الصين باعتبارها الطرف الدولي الأكثر قدرة على التأثير في طهران، سواء عبر العلاقات الاقتصادية أو القنوات السياسية المفتوحة بين البلدين. ولذلك، يأمل ترامب في أن تلعب بكين دوراً ضاغطاً على إيران لدفعها نحو اتفاق يحقق تهدئة مؤقتة على الأقل.

لكن الصين، من جهتها، تتعامل مع الأزمة بمنطق مختلف؛ فهي ترى أن التصعيد العسكري الأميركي أدى إلى زعزعة الاستقرار العالمي، وتعتقد أن استمرار الحرب سيؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي يضر بالمصالح الصينية بشكل مباشر. ولهذا، من المرجح أن تركز بكين على منع توسع الحرب بدلاً من الانخراط في ضغوط مباشرة على طهران.

تايوان… عقدة الصراع الكبرى

يبقى ملف تايوان أحد أخطر نقاط التوتر بين القوتين العظميين. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وتؤكد استعدادها لاستخدام القوة إذا لزم الأمر لمنع أي محاولة انفصال. أما الولايات المتحدة، فترى في دعم تايوان ورقة استراتيجية لاحتواء النفوذ الصيني في آسيا والمحيط الهادئ.

ورغم أن ترامب يتبنى مقاربة أقل حدة تجاه تايوان مقارنة بإدارات أميركية سابقة، إلا أن الملف لا يزال يمثل مصدر اشتباك دائم بين الطرفين، خصوصاً مع استمرار مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، وتكثيف الحضور العسكري الأميركي في المنطقة.

وتشير تقارير إلى أن واشنطن أوقفت مؤقتاً بعض صفقات السلاح لتايوان قبيل القمة، في خطوة قد تعكس رغبة في تهدئة الأجواء مع بكين وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع.

الذكاء الاصطناعي والتفوق التكنولوجي

التنافس على التكنولوجيا بات جزءاً أساسياً من الصراع الأميركي الصيني، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. فكل من واشنطن وبكين تدركان أن السيطرة على هذه التقنيات تعني امتلاك أدوات النفوذ الاقتصادي والعسكري في العقود المقبلة.

الولايات المتحدة تتهم الصين بسرقة التقنيات الحساسة واستخدامها في تعزيز قدراتها العسكرية، بينما ترى بكين أن واشنطن تحاول منع صعودها التكنولوجي عبر العقوبات والقيود على تصدير الرقائق الإلكترونية والتقنيات المتقدمة.

ومن المتوقع أن يبحث الطرفان إنشاء قنوات تنسيق لتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة في هذا المجال، خصوصاً مع المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب السيبرانية والتجسس والصراعات العسكرية المستقبلية.

سباق النفوذ النووي

الملف النووي سيكون أيضاً حاضراً في القمة، إذ تحاول واشنطن منذ سنوات دفع الصين إلى الانخراط في مفاوضات للحد من التسلح النووي، لكن بكين لا تزال ترفض ذلك، معتبرة أن ترسانتها النووية لا تقارن بالحجم الهائل للترسانتين الأميركية والروسية.

وترى الصين أن الولايات المتحدة تستخدم ملف الأسلحة النووية كأداة للضغط السياسي والاستراتيجي، في حين تعتبر واشنطن أن تنامي القدرات العسكرية الصينية يفرض ضرورة وضع قواعد جديدة للتوازن النووي العالمي.

قمة لتجميد الانفجار لا لحل الأزمات

في المحصلة، لا تبدو قمة بكين مرشحة لإنتاج اتفاقات تاريخية كبرى، بقدر ما تهدف إلى إدارة التوتر ومنع انزلاق العالم نحو صدام شامل بين القوتين الأكبر اقتصادياً وعسكرياً. فالخلافات البنيوية بين الولايات المتحدة والصين أعمق من أن تُحل في لقاء واحد، لكن مجرد استمرار الحوار بينهما يعد أمراً حيوياً في ظل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم.

القمة تأتي أيضاً في لحظة تشهد تراجعاً واضحاً في قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة، مقابل صعود أدوار قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها الصين، التي باتت تتحرك كوسيط دولي وفاعل اقتصادي قادر على التأثير في ملفات الحرب والسلم والطاقة والتجارة العالمية.

وفي ظل استمرار الحرب على إيران، والتوتر في تايوان، والسباق التكنولوجي المحتدم، تبدو قمة ترامب وشي محاولة لإعادة رسم حدود الاشتباك بين القوتين، وتحديد قواعد مرحلة دولية جديدة عنوانها المنافسة المفتوحة، لكن تحت سقف تجنب الانفجار الكبير.

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen