من الميدان العسكري إلى الدبلوماسي: طهران تزيح عقبتها الأولى
بين التفاؤل الحذر والشكوك العميقة، يفتح التفاهم الإيراني ـ الأميركي مرحلة جديدة عنوانها المفاوضات، وسط رهانات على إنهاء التوتر ومخاوف من عراقيل قد تعصف بالمسار الدبلوماسي قبل أن يترسّخ وطهران تؤكّد ان الضامن لهذا الاتفاق هو قوتها
بعد يومٍ واحد من إعلان إتمام مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، والذي قوبل بترحيب واسع على المستويَين الإقليمي والدولي، في مقابل قلقٍ واضح في الكیان الإسرائيلي، وصفت إيران الإعلان بأنه الخطوة الأولى مشيرةً إلى أن المرحلة الأصعب والمتمثّلة في المفاوضات الرامية إلى التوصّل إلى الاتفاق النهائي والتي يُفترض أن تنطلق بعد توقيع المذكرة الأوّلية الجمعة المقبل، لم تبدأ بعد.
وفيما توقّع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أن يحضر رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، مراسم التوقيع في جنيف، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أمس، أن هوية الشخص الذي سيوقّع المذكرة من الجانب الإيراني لم تُحسم بعد، مشيراً إلى أن القرار في هذا الشأن سيُتّخذ لاحقاً.
ومع ترقّب نشر النص الرسمي لمذكرة التفاهم بالتزامن مع توقيعها، تشير خطوطها العريضة، وفقاً لتصريحات مسؤولي الجانبَين، إلى أن الاتفاق يرتكز على إعلان إنهاء الحرب في جمیع الجبهات بما فیها لبنان مع التزام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز، في مقابل التزام أميركي برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية. كما يفتح توقيع المذكّرة مهلة 60 يوماً يدخل فيها الطرفان في مفاوضات مباشرة حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.
هكذا، ينقل التفاهم الطرفَين من الميدان العسكري إلى المربّع الدبلوماسي، معيداً إياهما إلى أجواء المفاوضات التي سبقت اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي. إلا أنه مع بدء المفاوضات المرتقبة، يُتوقع أن تعود الخلافات العميقة إلى الواجهة، لا سيما حول تفاصيل البرنامج النووي الإيراني وملفّ مخزونات اليورانيوم المخصّب المثير للجدل. وفي موازاة ذلك، تفرض الهواجس الإقليمية ظلالها على الاتفاق؛ إذ يُثير تسريب إسرائيل عدم التزامها بـبند لبنان الوارد في التفاهم، مخاوف جديّة من محاولات تل أبيب تفخيخ المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، وإجهاضه في مهده.
وبحسب وكالة فارس الإيرانية فان ابرز التعديلات التي حصلت في اللحظات الأخيرة/ إضافة عبارة ضمان سيادة لبنان واحترام وحدة أراضيه إلى البند الأول من المذكرة، وإن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان يعارض إدراج هذه العبارة قبل أن يُوافق عليها في نهاية المطاف
كما تحدّثت تسنيم عن تعديل آخر شمل البند الخامس، قضى بإضافة عبارة إدارة خدمات الملاحة في مضيق هرمز من جانب إيران وسلطنة عُمان. ومع ذلك، أوضحت الوكالة أن استيفاء رسوم من السفن العابرة عبر مضيق هرمز سيُعلّق لمدة 60 يوماً، على أن تعود إيران بعدها إلى تقاضي بدل الخدمات من السفن المارّة.
وفي القراءات الإيرانية لما جرى، اعتبرت وكالة الأنباء الرسمية إرنا في تقرير نشرته أمس، أن مذكرة التفاهم تمثّل سقوطاً لسيناريو الاستسلام غير المشروط وفشلاً لسياسة الضغط الأقصى التي انتهجتها واشنطن ضدّ طهران. وكتبت أن إطار المفاوضات المقبلة أُعيدت صياغته على أساس الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب، ومن بينها الحفاظ على موقع محور المقاومة وإخراج القدرات الصاروخية الإيرانية من جدول التفاوض.
ورأت الوكالة أن الضمانة الأساسية لهذا التفاهم هي قوة إيران نفسها، مضيفةً أن تجربة السنوات الماضية وما راكمته العلاقة الإيرانية- الأميركية من خلافات، أظهرت أن الاتفاقات لا تصبح قابلة للتنفيذ إلّا عندما تستند إلى رصيد من القوة. وفي مشهد متقلّب كهذا، لا يكفي نصّ التفاهم وحده لضمان التنفيذ، بل إن العامل الحاسم هو ميزان القوة الذي أفرزته الحرب، ودفع الطرف المقابل إلى قبول التزامات محددة