قراءة في الرسالة التي وجهها الأمين العام لحزب الله الى مجاهدي المقاومة في لبنان
تأتي رسالة الشيخ نعيم قاسم في ظل تأزم إقليمي ودولي غير مسبوق وفي سياق استمرار الصراع المستعر بين المقاومة الإسلامية في لبنان وبين الكيان الصهيوني المحتل في جنوبي لبنان هذه الرسالة تأتي في هذا السياق حاملة معها خطابًا سياسيًا–تعبويًا مكثفًا، يجمع بين اللغة العقائدية ومنطق الصراع الوجودي والخطاب السيادي، ويعكس رؤية متكاملة لطبيعة المواجهة الدائرة في لبنان والمنطقة. وهو لا يكتفي بوصف الوضع العسكري أو السياسي، بل يسعى إلى إعادة تعريف الصراع نفسه بوصفه معركة بقاء وهوية وسيادة، لا مجرد نزاع حدودي أو تفاوض سياسي تقليدي.
يمكن للمتابع او المحلل ان يقرأ هذا النص ضمن عدة مستويات مترابطة: المستوى التعبوي، والمستوى السياسي التفاوضي، والمستوى السيادي الداخلي، إضافة إلى المستوى الإقليمي المتعلق بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
تأسيسا للخطاب السياسي اعتمدت الرسالة لغة تعبوية عالية الكثافة تقوم على ثنائية حاسمة مستوحاة من القرآن الكريم: “فئة قليلة مؤمنة” في مواجهة “تحالف متوحش كبير”. هذه البنية الخطابية تعكس الادبيات التأسيسية لحركات المقاومة في مواجهة الأمريكي والاسرائيلي، إذ تستند إلى استحضار المرجعية الدينية والرمزية القرآنية من أجل تحويل اختلال موازين القوى العسكرية إلى عنصر معنوي معكوس. فالخطاب هنا لا ينطلق من توازن القوة التقليدي، بل من شرعية الصمود ووعد الانتصار، المرتبط بالإيمان والثبات. وعدم التنازل عن خضوعا لقدرات الباطل.
ويلاحظ ورغم الانهيار العربي والإسلامي شبه الكامل امام سطوة ترامب فإن الرسالة استخدمت أوصافًا حادة وحازمة للولايات المتحدة وإسرائيل، من قبيل “الطاغية الأميركي الدموي والعدو الإسرائيلي المجرم والمتوحش، وهي لغة تهدف إلى نزع أي شرعية أخلاقية أو سياسية عن الطرف المقابل، وتموضع الصراع في موضعه التاريخي السليم بما هو مواجهة أخلاقية كلية بين الحق والعدوان. وهذا النوع من الخطاب يؤدي وظيفتين: أولًا تعبئة البيئة المؤيدة نفسيًا، وثانيًا إغلاق الباب أمام أي مقاربة تعتبر ما يجري مجرد نزاع قابل للحلول التقنية أو الدبلوماسية البحتة.
أما سياسيًا، فيكشف النص عن معادلة مهمة: التمسك بالمقاومة العسكرية بالتوازي مع القبول بمسار تفاوضي غير مباشر. وهذه نقطة لافتة، لأن الخطاب لا يرفض التفاوض من حيث المبدأ، بل يرفض (المفاوضات المباشرة) باعتبارها تمنح إسرائيل مكاسب سياسية ورمزية مجانية. هنا يظهر تصور واضح للتفاوض بوصفه امتدادًا للصراع لا بديلًا عنه، أي أن القوة الميدانية هي التي تمنح المفاوض اللبناني أوراقه، لا العكس.
ومن أبرز ما عبرت عنه الرسالة أيضًا الإقرار الصريح بحجم التأثير الإقليمي في الساحة اللبنانية، وخصوصًا الدور الإيراني. فعندما يشير إلى أن الاتفاق الإيراني الأميركي قد يكون الورقة الأقوى لوقف العدوان، فهو يعترف بأن مستقبل الدفاع عن حدود لبنان بل ووجوده لا يُفهم فقط ضمن الحدود اللبنانية، بل ضمن شبكة تفاهمات إقليمية أوسع تخلق توازنا من نوع ما في مواجهة القوة الفائقة للعدو ماديا. ومع ذلك، حافظ الأمين العام لحزب الله على توازن دقيق في خطابه بين ضرورة الإقليم وحفظ جوهر السيادة، عبر التأكيد على أن مسؤولية التفاوض لتحقيق أهداف لبنان السيادية تبقى بيد الدولة اللبنانية، وأن الشأن الداخلي اللبناني ليس موضوعًا للتفاوض الخارجي.
هذا التوازن بين الاعتراف بالدور الإيراني في السعي لوقف إطلاق النار والتشديد على السيادة اللبنانية يعكس حساسية داخلية واضحة. فالخطاب يدرك أن قضية السلاح والمقاومة تُعد إحدى أكثر القضايا انقسامًا على المستوى الصراع الإقليمي ما انعكس انقساما موازيا في الداخل اللبناني، ولذلك يسعى إلى إعادة تأطيرها ضمن مفهوم استراتيجية الأمن الوطني، مستندًا إلى خطاب قسم الرئيس اللبناني جوزيف عون، في محاولة لمنح شرعية وطنية ودستورية لفكرة الاحتفاظ بعناصر القوة العسكرية خارج الإطار التقليدي للدولة ولايجاد أرضية مشتركة للتعاون مع السلطات اللبنانية للعمل على تقوية لبنان والدفاع عنه من ضمن السياقات الدستورية المعمدة لبنانيا.ومن الناحية العسكرية، يتجنب الشيخ نعيم قاسم الحديث عن تسوية نهائية أو عن نهاية قريبة للصراع، بل يؤسس لفكرة "المواجهة الطويلة". فعبارات مثل (مهما طال الزمن)و(لن نغادر ساحة المواجهة) تشير إلى بناء سردية استنزاف طويلة الأمد، يكون الهدف فيها منع إسرائيل من فرض شروطها، لا تحقيق انتصار عسكري تقليدي سريع.
ومن اللافت انه ورغم مدة الحرب الطويلة نسبيا حتى الآن كرر امين عام حزب الله إدراج مجموعة أهداف محددة سمّاها (النقاط الخمس) وهي نفس النقاط التي مازال يكررها منذ بداية المواجه ما يعبر عن ثبات الموقف ميدانيا وسياسيا كما يعبر عن وضوح الرؤية عند حزب الله منذ اليوم الأول للمواجهة وهذه النقاط هي: وقف العدوان، تحرير الأرض، إطلاق الأسرى، عودة السكان، وإعادة الإعمار.وهذا الوضوح السياسي في الأهداف مهم جدا لأنه ينقل الخطاب من المستوى الرمزي العام إلى مستوى المطالب العملية القابلة للتفاوض والتقييم. أي أن النص لا يكتفي بالشعارات، بل يحاول رسم إطار سياسي واضح لأي تسوية مستقبلية.
في المحصلة، يكشف النص عن محاولة الجمع بين ثلاثة عناصر تبدو متناقضة ظاهريًا لكنها متداخلة في الواقع اللبناني الحالي:
1- استمرار خطاب المقاومة العقائدي والتعبوي،
2- الانخراط الواقعي في الحسابات الإقليمية والتفاوضية،
3- السعي إلى تثبيت شرعية داخلية وطنية للسلاح ودور المقاومة.
4- الاعتراف بسيادة الدولة اللبنانية والاستعداد للتعاون مها ضمن الثوابت الوطنية
وهو بذلك يعكس طبيعة المرحلة اللبنانية الراهنة، حيث تتقاطع الحرب الإقليمية مع أزمة السيادة والدولة،حيث أصبح مستقبل لبنان مرتبطًا ليس فقط بموازين الداخل، بل أيضًا بمسارات التفاوض والصراع في الإقليم كله.