• اعلام العدو: محلّقات حزب الله المفخخة أصبحت كابوسا للقيادة العسكرية الاسرائيلية
12 أيار , 2026

نقِم… الجرح الذي لا يلتئم: مجزرة تهز ذاكرة اليمن بعد 11 عاماً

 في ذاكرة الشعوب وتاريخ المدن، ثمة أيامٌ لا تمر كغيرها، وإنّما تُحفر في وجدان الأرض بمسامير من وجع ونار، والـ 11 من مايو عام 2015م، لم يكن يومًا عاديًّا في تاريخ العاصمة اليمنية صنعاء؛ فقد كان اليوم الذي قرر فيه الحقد الأمريكي السعودي الصهيوني، أن يخلع قناعه بالكامل، ليُحيل سكينة المدينة إلى جحيمٍ مستعر، ويحول جبل نقم الشامخ إلى بركانٍ من الموت الاصطناعي الذي لم تعهده البشرية إلا في أشد كوابيسها قتامة.

 الذكرى الـ 11 للمجزرة الكبرى التي ارتكبها العدوان بمنطقة نقم في مديرية آزال، هي جريمةٌ لا تُنسى، وجرحٌ مفتوح ينزف حكايات عن جثثٍ بلا رؤوس، وأطفالٍ جُنّوا من هول المشهد، ومدنيين أُحرقوا وهم في مخادعهم، في جريمةٍ تجاوزت حدود العقل لتستقر في خانة الإبادة الممنهجة باستخدام أسلحةٍ محرمة دوليًّا، صُبت فوق رؤوس الأبرياء في واحدةٍ من أبشع صفحات العدوان السعودي الأمريكي على اليمن.

لقد كان المشهد عصر ذلك اليوم مروعًا بكل ما تحمل الكلمة من دلالات وجودية؛ انفجارات متواصلة هزت أركان العاصمة، وأدخنة تتصاعد إلى عنان السماء بألوان جنائزية مرعبة، تبدأ باللون الأسود الكثيف، ثم تتحول إلى الأصفر الغريب، وحتى الأبيض الساطع، في لوحة سريالية رسمتها نيرانٌ لا تنطفئ ووهجٌ يخطف الأبصار والأنفاس. تحت أقدام ذلك الجبل الذي احتضن صنعاء لقرون، تقع أحياء شعبية مكتظة بالأرواح والآمال، وجد سكانها أنفسهم فجأة في مواجهة الهستيريا اللعينة، وبينما اضطر الآلاف للنزوح هربًا من الموت الزؤام، فضل البعض البقاء مستبسلين بين الركام، يلملمون أشلاء جيرانهم ويوثقون بين الأنقاض ألف حكايةٍ وحكاية، وسط دمار هائل لم يترك حجرًا على حجر، حيث سجل التاريخ استشهاد 120 مواطنًا وإصابة أكثر من 200 آخرين في حصيلة ليست نهائية؛ فسرعان ما ارتفعت لتتجاوز 400 ضحية بين شهيدٍ وجريح، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن الذين لم تشفع لهم براءتهم أمام جبروت القوة العمياء.

إن التقرير الصادر عن اللجنة الوطنية لتوثيق جرائم العدوان يكشف أن الاستهداف لم يكن عشوائيًّا، وإنّما كان إمعانًا في إنهاء حياة البشر وتدمير كل مقومات الحياة، تمامًا كما حدث في حي "فج عطان" وغيرها من المدن اليمنية المنكوبة.

نزل الصحفيون والمسعفون إلى قلب الحي الشعبي في اليوم التالي، ليجدوا صمتًا مطبقًا يتخلله خيط من الدماء يحكي قصصًا لم يروِها أصحابها لأنهم أصبحوا أسرارًا داخل ثلاجات الموتى، وفي تلك الليلة الحزينة، اكتظت المستشفيات بجراح لا تلتئم، وارتفعت مكبرات الصوت بالاستغاثة في شوارع ضجت بصراخ الأمهات وبكاء الأطفال، حيث امتد أثر الانفجار ولهيبه ليعم معظم أرجاء العاصمة، تاركًا خلفه حالة من الهلع كانت في حد ذاتها أشد من الموت.

 ومن بين ركام المنازل المدمرة، تبرز مأساة "أسرة البحري" في منطقة "مسيك" كشاهد عيان على انعدام الإنسانية؛ حيث اخترق صاروخ منزلهم وهم يحتفلون بمناسبة اجتماعية (الولاد)، ليستقر في أجساد 14 امرأة وطفلاً، محولاً فرحتهم إلى مأتم جماعي قضى فيه 6 منهم نحبهم فورًا وبقي البقية يصارعون الموت في المستشفيات. هذه الأسرة لم تكن سوى عينة من بنك الأهداف الذي اختاره العدوان، والذي وصفه المسعفون بأنه جريمة وحشية استهدفت الآمنين وشردت المئات، ويستمر سجل الانتهاكات ممتدًا، يروي قصة الطفل الذي فقد رأسه، والطفلة التي فقدت عقلها من الصدمة، في قائمةٍ لا تنتهي من الانتهاكات بحق الطفولة والإنسان اليمني الذي يُقتل بدمٍ بارد وتحت غطاء دولي مخزٍ.

ما كشفته التحليلات العسكرية والاستخباراتية الدولية لاحقًا أضاف بُعدًا أكثر رعبًا للجريمة؛ حيث أكّد المحلل المتخصص "توماس ويكتر" والخبير النووي العالمي "غوردون دوف" أن السلاح المستخدم لم يكن تقليديًّا بأي حال من الأحوال. التحليلات التي نُشرت على موقع "فيترنز توداي" أشارت بوضوح إلى أن الانفجار ناتج عن "قنبلة نيوترونية مصغرة" أسقطتها طائرات يعتقد الخبراء أنها تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي أو مطلية بألوانه، واستند هؤلاء الخبراء في تحليلهم إلى شكّل الانفجار الذي يشبه "الفطر النووي"، والومضات البيضاء التي ظهرت في مقاطع الفيديو، والتي تدل على اصطدام النيوترونات بعدسة التصوير، بالإضافة إلى قوة الانفجار ومدته التي لا يمكن أن تنتج عن قنبلة تقليدية، حتى وإن بلغ وزنها 4000 رطل، بل هي تفوق قدرة القنابل التقليدية الضخمة.

 وذهبت التحليلات العسكرية إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبر المحللون أن ما حدث في جبل نقم كان بمثابة "اختبار تجريبي" ميداني لأسلحة نووية تكتيكية وخيارات عسكرية جديدة يتم تجربتها في الأجساد اليمنية. وأوضح الخبير "ويكتر" أن المهاجمين استخدموا تقنيات متطورة لاختراق المنشآت تحت الأرض، وهو ما يفسر العمق الذي وصل إليه الانفجار والنتائج التدميرية الهائلة التي خلفتها القنبلة، وإن استخدام هذه الذخائر المخترقة "إم كيو بي" وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليًّا فوق مدينة مأهولة بالسكان، يكشف عن حجم التواطؤ والتحالف الذي لم يجد رادعًا أخلاقيًّا أو قانونيًّا يمنعه من تحويل العاصمة صنعاء إلى ساحة تجارب لأسلحة الدمار الشامل، في ظل صمتٍ دولي مريب يشارك في الجريمة بصمته وتغاضيه.

اليوم، وبعد مرور 11 سنة على تلك الفاجعة، يظل جبل نقم شامخًا، لكنه يحمل في أحشائه غبار تلك القنبلة وصدى صرخات الضحايا، كونها جريمة لا تسقط بالتقادم، توثقها دماء الأبرياء ودموع النازحين الذين عادوا إلى منازلهم رغم الخوف، مؤكدين بصمودهم أن إرادة الحياة أقوى من "نيوترونات" الموت. وختامًا؛ فإنّ ما حدث في نقم كان محاولة لكسر روح مدينة بأكملها، لم يكن مجرد غارة جويّة، غير أن العاصمة التاريخية الأبدية لليمن الأرض والإنسان، ظلت تنبض بالكرامة، شاهدةً على خسة المعتدي وعظمة الضحية التي ترفض النسيان، وتنتظر يومًا يُحاكم فيه القتلة أمام محكمة التاريخ والعدالة الإنسانية التي لا تغفل ولا تنام عن جرائم لا تسقط بالتقادم.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen