مقالات الرأي

11 أيار , 2026

هل تستطيع الصين احتواء حرب إيران وإعادة رسم التوازنات الدولية؟

 

تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها الأولى لرئيس أميركي إلى بكين منذ سنوات طويلة من التوتر والتصعيد، بل لأنها تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية أعادت فيها الحرب على إيران خلط التوازنات السياسية والعسكرية والاقتصادية على مستوى العالم.

فالزيارة التي تأتي بعد سنوات من التدهور غير المسبوق في العلاقات الأميركية الصينية خلال إدارة جو بايدن، تحمل أبعاداً تتجاوز الملفات التجارية والخلافات التقليدية حول تايوان والاقتصاد والتكنولوجيا، لتدخل مباشرة في صلب التحولات الجيوسياسية الكبرى التي فرضتها المواجهة الأميركية ـ الإيرانية الأخيرة.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تسبق زيارة ترامب إلى بكين زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين، في توقيت يعكس بوضوح إدراك جميع الأطراف للدور الصيني المتصاعد في إدارة الأزمات الدولية، خصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

فالصين اليوم لم تعد مجرد قوة اقتصادية عملاقة، بل تحولت تدريجياً إلى لاعب سياسي ودبلوماسي أساسي يمتلك القدرة على المناورة بين الخصوم، مستفيداً من شبكة علاقاته الاقتصادية العالمية واعتماد عدد كبير من الدول، بما فيها إيران، على شراكاته التجارية والمالية.

وفي خلفية هذه الزيارة تقف الحرب على إيران بوصفها الحدث الذي كشف حدود القوة الأميركية التقليدية، ليس من ناحية القدرة العسكرية فقط، بل أيضاً من حيث فعالية الردع وإمكانية فرض الاستقرار السياسي بالقوة. فالمواجهة الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري الأميركي لم يعد كافياً لتحقيق الحسم، وأن الحروب الحديثة باتت تُدار بأدوات أكثر تعقيداً، تشمل الحرب السيبرانية والصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وحروب المعلومات والاقتصاد والطاقة.

كما كشفت الحرب عن واقع دولي جديد تتراجع فيه القدرة الأميركية على فرض قواعد النظام العالمي بشكل منفرد، في مقابل صعود قوى كبرى مثل الصين وروسيا، باتت قادرة على تحدي الهيمنة الغربية بوسائل غير تقليدية ومن دون الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية.

وفي هذا السياق، تبدو الصين الطرف الأكثر استفادة من تجنب الحروب الكبرى، لأنها تعتمد بشكل أساسي على استقرار التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. ولهذا السبب، تنظر بكين إلى أي تصعيد طويل في الخليج أو مضيق هرمز باعتباره تهديداً مباشراً لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

لكن في المقابل، لا تبدو الصين مستعدة للدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع إيران لصالح واشنطن، ولا يُتوقع أن تقدم تنازلات استراتيجية لترامب كما حدث جزئياً خلال ولايته الأولى، خصوصاً بعد سنوات من الحرب التجارية والعقوبات الأميركية ومحاولات تطويق الصين في شرق آسيا.

الأرجح أن هدف الزيارة يتمثل في إعادة فتح قنوات التواصل وتخفيف احتمالات الصدام المباشر بين القوتين الأكبر في العالم، خصوصاً في ظل تزايد مخاطر سوء التقدير العسكري والسياسي سواء في آسيا أو الشرق الأوسط.

إلا أن الملف الإيراني سيبقى حاضراً بقوة في خلفية المحادثات، حتى وإن لم يُعلن رسمياً كعنوان رئيسي للزيارة. فإدارة ترامب تدرك أن الصين تمتلك قدرة فعلية على التأثير في الحسابات الإيرانية، سواء عبر الاقتصاد أو الطاقة أو التوازنات الدبلوماسية، كما أنها قادرة على لعب دور الوسيط أو الضامن في أي تفاهمات مستقبلية بين واشنطن وطهران.

وقد سبق للصين أن لعبت دوراً محورياً في التقارب الإيراني السعودي، وهو ما يمنحها اليوم رصيداً سياسياً إضافياً يؤهلها لمحاولة احتواء التصعيد الإقليمي ومنع انزلاقه نحو حرب أوسع قد تضرب الاقتصاد العالمي بأكمله.

لكن بكين ستتعامل مع ترامب من موقع مختلف تماماً عما كان عليه الوضع قبل سنوات. فالحرب الأخيرة أضعفت صورة الهيبة الأميركية التقليدية، وأظهرت أن واشنطن وتل أبيب لم تتمكنا من تحقيق أهدافهما المعلنة رغم التفوق العسكري الهائل، وهو ما منح الصين وروسيا فرصة لتعزيز سردية “النظام الدولي المتعدد الأقطاب”.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تقوم على تراجع القواعد الدولية الثابتة وصعود منطق التسويات المؤقتة وإدارة الأزمات بدل حسمها. فبدلاً من فرض حلول نهائية، تسعى القوى الكبرى اليوم إلى تجميد الصراعات واحتواء الانفجارات الكبرى بأقل الخسائر الممكنة.

كما أن الحرب على إيران ساهمت في تكريس واقع جديد يتمثل في صعود قوى كبرى لا تعتمد بالضرورة على القوة العسكرية المباشرة، بل على النفوذ الاقتصادي والقدرة على الوساطة والتحكم بالتجارة والطاقة والتكنولوجيا، وهو ما تجسده الصين بشكل واضح.

وفي المحصلة، لا تبدو زيارة ترامب إلى بكين محاولة لعقد “صفقة تاريخية” بقدر ما تبدو محاولة لمنع انهيار التوازنات الدولية بالكامل، واحتواء التداعيات الخطيرة لحرب كشفت أن النظام العالمي القديم يدخل مرحلة اهتزاز عميقة، بينما لم يتشكل البديل الجديد بشكل كامل بعد.

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen