ملحمة التشييع الأكبر في تاريخ لبنان: رسالة وفاء وتحدٍّ لا تُمحى
في مشهد استثنائي لم تعرفه الساحات اللبنانية من قبل، تجمّع أكثر من مليون وأربعمائة ألف شخص، في وداع سيد شهداء المقاومة، في أضخم تشييع شهدته البلاد. مشهد لم يكن مجرد وداع لقائدٍ رحل، بل كان تجديدًا للعهد، واستفتاءً حاسمًا على بقاء المقاومة، واستمرار نهجها، رغم كل ما أُشيع عن إنهاك بيئتها الشعبية أو تراجع حضورها.فأي رسائل حملها التشييع وكيف قرأها العدو؟
لم تكن هذه الحشود الغفيرة التي ملأت الشوارع والساحات مجرد انعكاس لعاطفة آنية من شعب الى قائده بل كانت رسائل مدوية الى كل العالم اننا مع المقاومة، ولن يكون للبنان ماضٍ او حاضر دونها. جاءت أصواتهم تهتف "هيهات منا الذلة"، في رسالة تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية، مؤكدة أن هذه المقاومة إرادة شعبية متجذرة، وشريان حياة لمن يرفض الاستسلام.
رغم كل محاولات العرقلة، من التهويل الأمني إلى التحذيرات من قصف محتمل، لم يفلح شيء في كبح هذا المدّ الشعبي. حتى الطقس بدا كأنه يختبر العزائم، لكن لا برد الشتاء ولا تهديدات الاحتلال حالت دون وصول الجموع من مختلف المناطق، ومن دول عدة، لتكون شاهدة على لحظة تاريخية لا تتكرر.
كل من راهن على وهن الحاضنة الشعبية للمقاومة، أو تراجع تأثيرها، تلقى صفعة مدوية في ذلك اليوم. فلقد أظهرت الجماهير أن الشرعية الحقيقية ليست تلك التي تُصنع خلف الكواليس، بل التي تهتف بها الملايين في الشوارع. هذا التشييع كان أشبه باستفتاء شعبي حقيقي، أكّد أن أي قرار يتعلق بمستقبل لبنان لا يمكن أن يُتخذ بمعزل عن المقاومة وأهلها.
لم يكن التشييع مجرد مراسم وداع، بل كان إعلانًا بأن هذا القائد لم يمت، بل تحوّل إلى رمز خالد في ذاكرة الشعوب المقاومة، وملهماً لمن يواصلون درب الكرامة والحرية.
فحين تتكثف الشعارات في لحظة كهذه، تتحوّل من كلمات إلى التزام. ملايين المشيّعين لم يكونوا مجرد حضور بشري، بل كانوا رسلًا لرسالة واحدة: "انا على العهد". فكما لم يستطع الاحتلال محو نضال الشعوب رغم المجازر، لن يتمكن من محو أثر السيد الشهيد، الذي باتت دماؤه بوصلتهم نحو النصر.
لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل ما مثّله هذا التشييع من نقطة تحول في المشهد اللبناني والإقليمي. فمن جهة، ثبّت حزب الله وحلفاؤه مكانتهم كقوة لا يمكن تجاوزها، ومن جهة أخرى، أرسل رسالة واضحة إلى كل من يحاول فرض معادلات جديدة في لبنان: أنتم تواجهون إرادة شعب، والإرادة الحقيقية لا تُهزم.
وكما خُلّد الشهداء العظام في وجدان الأمم، سيبقى هذا التشييع شاهدًا على لحظة نادرة من التاريخ، حيث تماهت الجماهير مع قائدها، وكتبت بدموعها وهتافاتها فصلًا جديدًا من فصول المقاومة، لن يطويه الزمن.
في أعقاب التشييع التاريخي لسيد شهداء المقاومة، وقف العدو الإسرائيلي مذهولًا أمام المشهد الذي دحض كل مزاعمه حول إنهاك بيئة المقاومة وضعف تأثيرها. لقد جاءت هذه الملايين كإجماع شعبي حاسم ينسف نظرياته حول إمكانية تطويق حزب الله عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
لطالما حاول العدو، بدعم أمريكي واضح، رسم مشهد مفاده أن المقاومة في لبنان تعاني من تآكل في شعبيتها، وأن جمهورها بات يائسًا من التضحيات. لكن أرقام التشييع، التي تجاوزت 1.4 مليون شخص، أسقطت هذه النظرية تمامًا. كانت هذه المشاركة رسالة قاسية لكل من راهن على تفكك حاضنة المقاومة، وأكدت أن أي مشروع سياسي أو عسكري لا يأخذ هذا الواقع في الحسبان سيكون مجرد وهم.
التقارير الصهيونية، وخاصة تلك المستندة إلى تقديرات استخباراتية، كانت تشير إلى أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية قد تؤدي إلى تراجع الدعم الشعبي للمقاومة. لكن المشهد المليوني كشف زيف هذه التقديرات، مؤكدًا أن الضغوط لم تؤثر على جوهر العلاقة بين المقاومة وبيئتها، بل زادتها تماسكًا وإصرارًا.
في الكواليس الأمنية والعسكرية، تدور الآن تساؤلات صعبة داخل مؤسسات الاحتلال:كيف يمكن التعامل مع بيئة شعبية بهذا المستوى من الالتفاف حول المقاومة؟وهل ستدفع هذه المليونية حزب الله إلى تعزيز حضوره أكثر في المعادلة الداخلية اللبنانية؟
وماذا يعني هذا التشييع لمرحلة ما بعد المواجهة الأخيرة؟
القراءات العبرية أجمعت على نقطة جوهرية: هذه الجنازة لم تكن مجرد وداع لقائد، بل كانت إعلانًا واضحًا بأن حزب الله لم يُهزم، وأن جمهوره لم يتراجع، بل ازدادت قناعاته صلابة.
ربما حاول العدو خداع نفسه بأن استشهاد السيد نصرالله قد يُحدث فجوة في قيادة الحزب، أو قد يؤدي إلى ارتباك في صفوفه. لكن الحقيقة جاءت أكثر صلابة من كل تحليلاته: المقاومة لا تُهزم باغتيال قادتها، بل تُعاد ولادتها من جديد، وهذا التشييع كان الدليل الأوضح على أن الطريق مستمر، والنهج ثابت، والبوصلة لم ولن تنحرف.