الرهان الخاسر: كيف تسقط المقاومة مشروع التهجير الإسرائيلي الأمريكي؟
في زحمةِ الدمار الذي يخلّفه الاحتلال، وبين ركام البيوت التي كانت يوماً شاهدةً على صمود أهلها، يُصرُّ الفلسطيني على البقاء، كأن الأرض خُلقت من ضلعه، وكأن دمه هو الحبر الذي يُسطِّر حقه الأبدي فيها. على الضفة الأخرى، يُمعن الاحتلال في تنفيذ مخططاته، مدفوعاً بغطاء أمريكي يحلم بترسيخ معادلة التهجير والاستئصال، لكن بين الرصاص والأنقاض، وبين الحصار والمجازر، تنبت معادلة أخرى—معادلة المقاومة التي تعيد رسم المشهد، وتحيل الرهان الإسرائيلي-الأمريكي إلى وهمٍ يتبخر أمام صلابة الأرض وأصحابها. فكيف تحبط المقاومة هذا المشروع؟ وما هي الأدوات التي تُفشل بها مخطط التهجير والاقتلاع؟
في مشهد يكاد يتكرر منذ عقود، يعيد الاحتلال الإسرائيلي، مدعوماً بحلفائه الأمريكيين، إنتاج سياسات التهجير والاقتلاع، متوهماً أن الظروف الدولية والإقليمية باتت مواتية لفرض مشروع "إسرائيل الكبرى". لكن بين حسابات القوة على الورق وحقيقة الصمود الفلسطيني على الأرض، تتبدد هذه الأوهام، كما تلاشت مشاريع التصفية السابقة.
فمع الإعلان المتكرر عن خطة تهجير سكان غزة، وفرض سيطرة الاحتلال على الضفة الغربية، وإعادة رسم خارطة المنطقة وفق رؤى أمريكية – إسرائيلية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: ليست مجرد تكتيكات تفاوضية أو أوراق ضغط، بل تنفيذ عملي لمخطط مدروس، يستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر ترحيل سكان القطاع، وتحويل الضفة إلى كيان تابع، وضمان التفوق الإسرائيلي المطلق في المنطقة.
منذ نكبة 1948، شكّل التهجير القسري أداة مركزية في العقيدة الصهيونية، من دير ياسين إلى اللد والرملة، ومن المجازر إلى سياسات التضييق والتمييز، فكانت الحروب والضغوط الاقتصادية جزءاً من مخطط "الاقتلاع الدائم". واليوم، يتبنى اليمين الإسرائيلي المتطرف، مدعوماً بإدارة ترامب العائدة، سياسة أكثر وضوحاً: إفراغ غزة من سكانها، وتسليم القطاع للولايات المتحدة، لتحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" وفق تعبير ترامب، بما يكرّس الاحتلال كقوة وحيدة متحكمة بمصير الفلسطينيين.
ما يطرحه ترامب اليوم ليس جديداً، بل هو امتداد لمشروعه السابق، "صفقة القرن"، التي ارتكزت على إنهاء حل الدولتين، وتكريس التطبيع العربي – الإسرائيلي دون مقابل فلسطيني حقيقي. اليوم، في ظل العدوان المستمر على غزة، يضغط الاحتلال لتحقيق هدفه النهائي: تهجير مليونَي فلسطيني من القطاع إلى سيناء أو دول أخرى، مستغلاً حالة العجز العربي والتواطؤ غير المعلن لبعض الأنظمة.
في المقابل، يبدو أن الحسابات الإسرائيلية تتجاهل حقيقة المقاومة الفلسطينية التي أفشلت كل محاولات التصفية السابقة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي، مؤكدة أن التهجير ليس خياراً قابلاً للتحقيق، بل وهمٌ مستحيل في ظل صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المتجذرة.
بالتوازي مع مشروع تهجير غزة، يسعى الاحتلال إلى فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، مستنداً إلى دعم أمريكي غير مشروط. فالاستيطان يتسارع، والاعتقالات والاغتيالات اليومية تهدف إلى ضرب المقاومة، والإدارة المدنية تُحوّل تدريجياً إلى ضمّ فعلي. لكن كما في غزة، تواجه هذه المخططات عقبة جوهرية: تصاعد العمليات الفدائية، وتنامي العمل المقاوم في الضفة، مما يجعل فرض السيطرة الإسرائيلية أمراً أكثر تعقيداً مما يتخيله الاحتلال.
على الرغم من الدعم الأمريكي، والعجز العربي الرسمي، والاستغلال الإسرائيلي لحالة الفوضى الدولية، إلا أن مشروع تهجير الفلسطينيين يواجه عقبات مصيرية تجعله غير قابل للتحقيق على رأسهاصمود غزة فرغم العدوان المستمر، أثبتت غزة أنها غير قابلة للكسر، وأن مقاومتها قادرة على فرض معادلات جديدة تمنع أي تهجير قسري
تصاعد المقاومة في الضفة/الاحتلال لم ينجح في تحييد الضفة الغربية، بل إن العمليات المقاومة تتزايد بوتيرة غير مسبوقة، مما يهدد استقرار المشروع الإسرائيلي هناك.
الرفض العربي والدولي الواسع على الرغم من هشاشة المواقف العربية، إلا أن التهجير القسري يبقى خطاً أحمر دولياً، وسيشكل كارثة إقليمية تهدد الأردن ومصر ودول المنطقة.
وسقوط الهيمنة الأمريكية حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها كما في السابق، مع صعود قوى دولية منافسة، وازدياد الأزمات الداخلية الأمريكية.
لم تكن حسابات الاحتلال يوماً دقيقة عندما يتعلق الأمر بالإرادة الفلسطينية. فكما سقط مشروع "روابط القرى" في الضفة، وكما أفشل الفلسطينيون محاولات توطينهم خارج وطنهم، سيسقط هذا المخطط أيضاً، تحت وطأة الصمود الشعبي، والمقاومة المسلحة، والإرادة التي لا تُهزم.
إذا كان ترامب ونتنياهو يراهنان على ضعف اللحظة العربية والدولية لتمرير مشروعهما، فإن المقاومة تراهن على الزمن، وعلى معادلة بسيطة مفادها: من يملك الأرض، يملك القرار. ومن يقاوم، يحمي وجوده.