09 شباط , 2025

نحن الطوفان: رسالة المقاومة في تبادل الأسرى تكشف عن قوة لا تُقهر ومشروع لا يُساوم

في مشهد تختصر فيه العزيمة الفلسطينية عنوان المرحلة القادمة، أتمّت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، تسليم الدفعة الخامسة من الأسرى الصهاينة في دير البلح وسط قطاع غزة، وسط مشاهد حملت دلالات استراتيجية وإنسانية وأخرى تهديدية للعدو الصهيوني.

لم يكن تبادل الأسرى مجرد خطوة تفاوضية أو جزءًا من اتفاق محدود الأفق، بل كان لوحةً سياسية وعسكرية رسمتها المقاومة، مفادها أن اليد العليا في غزة لم ولن تكون إلا لشعبها ومقاوميها. فمنذ اليوم الأول للحرب، حاول الاحتلال كسر إرادة المقاومة، لكنه وجد نفسه غارقًا في الوحل، يبحث عن انتصار وهمي تحطّم على صخرة صمود غزة.

تؤكد كتائب القسام أن عملية التسليم، رغم أنها جزء من اتفاق لوقف إطلاق النار، تحمل في طياتها رسائل متعددة، أهمها أن المقاومة لا تزال في موقع القوة والقرار، وأنها التزمت بالقيم الإنسانية في تعاملها مع الأسرى، رغم وحشية العدو الذي لم يتوانَ عن قصف الأسرى الفلسطينيين داخل سجونه.

وفي مشهد يعكس ثقة المقاومة في مستقبل المعركة، وقف مقاتلو القسام بزيّهم العسكري الكامل على منصة التسليم، التي كُتب عليها باللغات العربية والعبرية والإنكليزية: "نحن الطوفان.. نحن اليوم التالي". هذه الجملة لم تكن مجرد شعار، بل رسالة مباشرة للعدو بأن "اليوم التالي" لن يكون كما يتمنى، بل هو يوم فلسطيني بامتياز، يقترب فيه الشعب الفلسطيني من العودة والحرية أكثر من أي وقت مضى.

 

رغم ادعاءات الاحتلال بأن "مشهد ظهور الرهائن بغزة لن يمر مرور الكرام"، إلا أن الحقائق على الأرض تؤكد أن الكيان بات في وضع لا يُحسد عليه، خاصة بعد تصاعد الأصوات الداخلية الإسرائيلية المطالِبة بإسقاط بنيامين نتنياهو، الذي يبدو عاجزًا أمام ضربات المقاومة. في الوقت الذي يتحدث فيه عن "النصر المطلق"، كانت صورة وجهه المتجهم تتوسط منصة التسليم داخل مثلث أحمر مقلوب، في إشارة إلى أن "قائد الحرب" بات رمزًا للهزيمة.

أمام العروض الأميركية والإسرائيلية بشأن ما يُسمّى بـ"المرحلة الثانية من الاتفاق"، والتي تتضمن خروج قادة "حماس" من غزة، تؤكد المقاومة أنها لن تقبل بأي صفقة تمس وجودها أو استقلال قرارها. فبينما يحلم الاحتلال بإعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفقًا لرغباته، تصرّ المقاومة على أن زمن الإملاءات قد ولّى، وأن ما لم يُنتزع بالقوة لن يُقدَّم على طاولة التفاوض.

عملية تبادل الأسرى في دير البلح كانت أكثر من مجرد خطوة تفاوضية؛ كانت رسالة استراتيجية من المقاومة تؤكد أن اليد العليا لا تزال للشعب الفلسطيني. رغم محاولات الاحتلال فرض معادلاته، أظهرت المقاومة قوتها وسيطرتها على الميدان في ظل التحديات. المشهد أظهر التزام المقاومة بقيمها الإنسانية في التعامل مع الأسرى، بينما كانت الحكومة الإسرائيلية تواجه انتقادات داخلية بسبب تعاطيها مع ملف الأسرى.

الشعارات التي رفعتها المقاومة، مثل "نحن الطوفان.. نحن اليوم التالي"، حملت رسالة سياسية قوية بأن أي تسوية مستقبلية ستكون وفق رؤية المقاومة. هذا الموقف برز في رفضها المقترحات التي تتضمن مغادرة قادة حماس لغزة. وفيما يتعلق بالصراع الإعلامي، استخدمت المقاومة الصورة كسلاح نفسي، حيث تم تقديم صورة مُهينة لنتنياهو مع دبابات إسرائيلية مدمرة، لتعكس فشل "النصر المطلق" الذي وعد به.

بينما يروج الاحتلال لمرحلة جديدة بشروطه، تظل المقاومة متمسكة بمعادلة القوة التي فرضتها، مؤكدة أن أي محاولة لتغيير الواقع بالقوة ستكون مصيرها الفشل.

حاول الاحتلال لأكثر من 471 يومًا كسر شوكة غزة، لكنه وجد نفسه في معادلة معقدة لا حلّ لها إلا بالاعتراف بحقائق الواقع الجديد. وبينما يستمر الفلسطينيون في التمسك بمقاومتهم، يواجه الاحتلال أزمات سياسية وعسكرية وأمنية لم يشهدها منذ عقود. وفي ظل هذه المتغيرات، يبقى السؤال: من هو الأقرب إلى "النصر المطلق"؟

الإجابة قد لا تحتاج إلى كثير من التحليل، فهي تتجلى في ميدان المعركة، حيث ترتفع رايات المقاومة، وفي عيون الأسرى المحررين، حيث يتجسد الأمل في الحرية، وفي وجوه قادة العدو، حيث تُرسم ملامح الهزيمة.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen