الاستنزاف بدل الحسم: كيف انكسر النموذج الاستراتيجي الإسرائيلي في جنوب لبنان؟
تشير تطوّرات المواجهة في جنوب لبنان إلى تحوّل في مسار الحرب من محاولة الحسم السريع إلى نمط قائم على الاستنزاف. ويعكس ذلك خللاً في الفرضيات التي حكمت المقاربة الإسرائيلية، مقابل اعتماد المقاومة على استيعاب الضربات والتحكّم بنتائجها، ما أدى إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وإطالة أمد المواجهة.
لا يمكن اختزال ما يجري في جنوب لبنان كتعثّر عسكري عابر، بل هو تعبير عن خلل عميق في الفرضيات الاستراتيجية التي حكمت السلوك الإسرائيلي. إذ دخلت إسرائيل المواجهة بعقلية تكرار نموذج سابق قائم على التفوّق الناري والصدمة السريعة، على افتراض أن ذلك كفيل بإنتاج انهيار لدى الخصم. غير أن هذا التصوّر تجاهل أن الطرف المقابل، أي حزب الله، لم يبقَ ضمن الشروط نفسها، بل أعاد بناء مقاربته استناداً إلى دروس المواجهات السابقة.
في هذا السياق، لم يسعَ حزب الله إلى منع الضربات بقدر ما ركّز على استيعابها والتحكّم بنتائجها. وبذلك، تحوّلت الضربات الواسعة من أدوات حسم إلى عناصر ضمن بيئة مُدارة مسبقاً، جرى امتصاصها والانتقال بعدها إلى نمط اشتباك قائم على الاستنزاف. هذا التحوّل أفقد التفوّق العسكري الإسرائيلي قدرته على إنتاج نتيجة حاسمة، إذ بات يواجه خصماً لا يهدف إلى منعه، بل إلى إطالة مفاعيله وتفريغه من أثره الاستراتيجي.
وتجلّى ذلك بوضوح في المنطقة الأمنية، التي تحوّلت من حزام عازل إلى ساحة اشتباك دائم، حيث أصبح الوجود العسكري الإسرائيلي نفسه هدفاً مستمراً. وهكذا، انقلبت السيطرة على الأرض من عنصر تفوّق إلى عنصر تقييد، في مقابل مرونة عملياتية لدى حزب الله.
في العمق، يعكس هذا المشهد فجوة إدراكية: طرف يكرّر نموذجاً سابقاً، وآخر يطوّره. ومع هذا التباين، فقد التصعيد قدرته على الحسم، وتحول إلى أداة لإدارة الصراع ضمن سقوف محددة، خاصة في ظل قيود إقليمية ودولية.
في المحصّلة، لم تفشل إسرائيل عسكرياً بقدر ما عجزت عن تحويل إنجازاتها إلى أثر استراتيجي. في المقابل، نجح حزب الله في فرض معادلة استنزاف طويلة، حيث يصبح الزمن عاملاً حاسماً. وعليه، لم يعد معيار التفوّق مرتبطاً بحجم القوة، بل بالقدرة على التكيّف والتحكّم بمسار الحرب .