انسحاب أمريكي من ألمانيا.. إعادة تموضع أم بداية فك الارتباط مع أوروبا؟
في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز القرار العسكري، تبدأ الولايات المتحدة سحب جزء من قواتها من أوروبا، انطلاقًا من ألمانيا. تحرك يعكس تصدعًا متزايدًا في العلاقة عبر الأطلسي، ويثير تساؤلات حول مستقبل الوجود الأمريكي في القارة.
قرار مفاجئ يعيد طرح أسئلة قديمة جديدة حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية. فسحب آلاف الجنود من ألمانيا لا يُقرأ فقط كتحرك عسكري، بل كمؤشر على تحولات أعمق في علاقة واشنطن بحلفائها.
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا، في خطوة تأتي ضمن مسار تصاعدي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه حلفائه في حلف شمال الأطلسي.
القرار لا يبدو معزولًا، بل يأتي بعد سلسلة من الخلافات السياسية والعسكرية، خاصة مع برلين، على خلفية الحرب في إيران وتباين الرؤى بشأن تقاسم الأعباء داخل الحلف.
وتُعد ألمانيا حجر الأساس للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إذ تستضيف ما بين 35 إلى 40 ألف جندي، إضافة إلى مراكز قيادة رئيسية مثل القيادة الأوروبية والأفريقية، فضلًا عن أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة.
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، تشير التصريحات الأمريكية إلى أن الانسحاب قد يُستكمل خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، مع احتمال توسيع القرار ليشمل دولًا أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا.
في إسبانيا، تتمركز قوات أمريكية في قواعد محورية مثل روتا ومورون، اللتين تمثلان نقاط انطلاق رئيسية للعمليات في أوروبا وأفريقيا. أما في إيطاليا، فينتشر نحو 13 ألف جندي في عدة قواعد، ما يجعل أي تقليص للوجود هناك خطوة ذات تأثير واسع.
هذه التحركات تعكس تحولًا في أولويات واشنطن، التي تسعى – وفق تقارير أمريكية – إلى نقل تركيزها الاستراتيجي نحو مناطق أخرى، خاصة المحيطين الهندي والهادئ.
لكن هذا التوجه يثير مخاوف أوروبية متزايدة. فانسحاب القوات الأمريكية قد يضعف أحد أهم عوامل الردع في مواجهة روسيا، خصوصًا في شرق أوروبا، كما قد يهز مبدأ الدفاع المشترك داخل حلف الناتو.
في المقابل، تحاول الدول الأوروبية تعزيز قدراتها الدفاعية، مع ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري، في محاولة لسد الفجوة المحتملة. إلا أن الخبراء يرون أن تحقيق استقلال دفاعي أوروبي كامل قد يستغرق سنوات طويلة ويتطلب استثمارات ضخمة.
كما تواجه خطط الانسحاب عقبات قانونية داخل الولايات المتحدة، حيث قيّد الكونغرس قدرة الرئيس على خفض عدد القوات بشكل كبير أو الانسحاب من الحلف دون موافقة تشريعية.
بين ضغوط السياسة وتحولات الاستراتيجية، يبدو أن قرار سحب القوات من ألمانيا قد يكون أكثر من خطوة تكتيكية. فهل نشهد بداية تراجع أمريكي تدريجي من أوروبا؟ أم مجرد إعادة تموضع مؤقت؟ الإجابة ستحدد مستقبل التوازن الأمني في القارة لسنوات قادمة.