العدو الصهيوني في الجنوب السوري: توغل عسكري و تمهيد لاحتلال طويل الامد
كثف الكيان الاسرائيلي عملياته العسكرية في الجنوب السوري خلال الأيام الماضية، مستهدفا البنية التحتية للجيش السوري بضربات جوية عنيفة بدعم أميركي غير معلن. وجاء التصعيد في المناطق المحاذية للجولان المحتل، ضمن مخطط لفرض أمر يمهّد لإقامة كيان يخدم المصالح الإسرائيلية.
في ظلّ صمت دولي وتواطؤ إقليمي، يواصل كيان الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مخططه الاستراتيجي في سوريا، مستغلاً حالة الانقسام والصراع التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد. لم تكن الغارات الجوية الأخيرة ولا العمليات العسكرية المكثّفة مجرد تحركات تكتيكية، بل تأتي ضمن رؤية بعيدة المدى تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الجنوب السوري، عبر عزله عن دمشق، وتحويله إلى كانتون منفصل تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة
يدرك الكيان أن أي تغيير جذري في سوريا لا بد أن يمر عبر الجنوب، لذلك، تعمل على تفريغه من الوجود العسكري السوري، وتدمير البنية التحتية للجيش هناك، لمنع أي محاولة مستقبلية لاستعادة السيطرة عليه. هذه التحركات لا يمكن أن تتمّ دون ضوء أخضر أميركي، إذ توفر واشنطن الغطاء السياسي والاستخباراتي اللازم لاستمرار الاحتلال في تحقيق أهدافه، خصوصاً أن الاستراتيجية الأميركية نفسها في سوريا تقوم على تفتيت الجغرافيا وتقاسم النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، حتى وإن كان ذلك يتناقض مع شعارات الحفاظ على وحدة البلاد.
وفي هذا السياق، تسعى تل بيب إلى فرض واقع جديد على الأرض، من خلال التوغل العسكري والاستيلاء على مواقع استراتيجية، بالتوازي مع جهودها لاغراء الطائفة الدرزية والسكان المحليين بإعلان انفصالهم التدريجي عن الدولة السورية، تحت الرعاية الإسرائيلية. ولم يكن إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن دمج الدروز السوريين في سوق العمل بالمستوطنات الإسرائيلية خطوة عفوية، بل هو جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الولاءات السياسية في المنطقة، على غرار ما حدث في الشمال السوري مع الأكراد
لكنَّ الاحتلال لا يكتفي بفرض سيطرته على الأرض، بل يحرص على ضمان عدم عودة القوات السورية إليها مستقبلاً، من خلال ضرب الإمدادات العسكرية، والاستحواذ على المعدات التي يتركها الجيش السوري خلفه، في محاولة لجعل إعادة بناء القدرات الدفاعية في الجنوب شبه مستحيلة. وتؤكد التقارير أن الهدف النهائي هو انشاء منطقة عازلة تمتد ثمانين كيلومترا لاداخل الاراضي السورية مايفسر تصاعد الهجمات و الغارات الجوية اللتي باتت تستهدف عشرات المواقع العسكرية دفعة واحدة، في اعتداءات تحمل طابعا استراتيجيا و ليس مجرد عمليات ردع تكتيكية
ومع أن الاحتلال استطاع تحقيق تقدّم في الميدان، إلا أن استراتيجيته تبقى محفوفة بالمخاطر، إذ لم تنجح تل أبيب حتى الآن في تحويل إنجازاتها العسكرية إلى تغييرات سياسية دائمة. فالموقف الأميركي المتذبذب إزاء سوريا والتغيّرات المتسارعة في المشهد الإقليمي قد تفرض على الكيان إعادة حساباتها لاحقاً، خاصة إذا ما وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، تضعها في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كبرى لا يمكن احتواؤها بسهولة
ما يجري في الجنوب السوري ليس مجرد صراع نفوذ عابر، بل هو معركة إعادة تشكيل للحدود والتحالفات، حيث يسابق الكيان المحتل لفرض أمر واقع جديد، مستفيدا من حالة الفوضى وانشغال العالم بأزمات أخرى. لكنّ التاريخ أثبت أن الاحتلال لا يمكنه بناء مستقبل آمن على أنقاض الشعوب، وأن المشاريع القائمة على العدوان والتوسع لن تدوم طويلاً، حتى لو بدت اليوم وكأنها تحقق نجاحات على المدى القصير.