ترامب بين النرجسية و«السوليبسية»: كيف يفسّر علم النفس ظاهرة الرئيس الذي أعاد تشكيل السياسة الأميركية؟
خاص الساحات/الكاتب:محمود حسن
منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يعد دونالد ترامب مجرد رئيس يثير الجدل، بل أصبح ظاهرة سياسية ونفسية معقدة تفرض نفسها على الإعلام والرأي العام داخل الولايات المتحدة وخارجها. وبينما يحاول كثيرون تفسير سلوكه وفق القواعد التقليدية للسياسة أو القيادة، يرى مراقبون أن فهم ترامب يتطلب عدسة مختلفة: عدسة علم النفس.
في هذا السياق، يبرز طرح لافت يعتبر أن ترامب ليس نرجسيًا بالمعنى المتداول فقط، بل أقرب إلى ما يسميه بعض المتخصصين بـ“السوليبسي” (Solipsist)، أي الشخص الذي يرى العالم من خلال ذاته فقط، ولا يعترف فعليًا بوجود الآخرين كذوات مستقلة ذات مشاعر وحقوق.
من النرجسية إلى «السوليبسية»: لماذا هذا التوصيف مهم؟
اعتاد الإعلام الأميركي وصف ترامب بالنرجسية، وهو توصيف يبدو منطقيًا بالنظر إلى سلوكه الاستعراضي وحاجته المستمرة للظهور وإثارة الانتباه. لكن وفق رؤية طرحها الكاتب الأميركي جون آر. ماك آرثر نقلًا عن الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون، فإن النرجسي – رغم انبهاره بذاته – لا يزال بحاجة إلى إعجاب الآخرين ويبحث عن قبولهم، وقد يحاول إظهار التعاطف أو “الإغراء السياسي” لتحقيق أهدافه.
أما ترامب، فيبدو مختلفًا: فهو لا يبذل جهدًا حقيقيًا لإظهار اهتمام بالآخرين، ولا يملك حسًا واضحًا بالتعاطف أو الإحراج الاجتماعي. بالنسبة لـ”السوليبسي”، الذات ليست محور الاهتمام فحسب، بل هي المرجعية الوحيدة، وكل شيء خارجها مجرد خلفية ثانوية.
هذا ما يفسّر، مواقف ترامب التي بدت صادمة حتى في سياقات إنسانية كارثية، مثل تعليقاته الباردة حول حرائق لوس أنجلوس أو مواقفه المتقلبة تجاه أزمات عالمية كبرى.
ترامب وغياب التعاطف: حين يصبح الآخر مجرد تفصيل
تظهر ملامح “العمى العاطفي” في أسلوب ترامب، سواء في طريقة حديثه عن خصومه أو حتى في مواقفه تجاه شخصيات قريبة منه. وقدّم ماك آرثر أمثلة عديدة على هذا النمط، بينها تصريحاته المستفزة بشأن ابنته إيفانكا، أو سخريته السياسية المباشرة من الرئيس السابق جو بايدن حتى في لحظات رسمية يفترض أن يطغى عليها الحد الأدنى من الاحترام.
في مشهد تنصيبه داخل قاعة الكابيتول، وبعد حديثه عن الحرائق التي التهمت منازل في لوس أنجلوس، قال ترامب ما معناه إن بعض الأغنياء لم يعودوا يملكون منازل، ثم أضاف ببرود: “هذا مثير للاهتمام”.
بالنسبة لكثيرين، لم يكن الأمر مجرد زلة لسان، بل انعكاس لطريقة يرى بها العالم: كأخبار تخدم حضوره، لا كمعاناة بشرية تستدعي التعاطف.
لماذا ينجذب الإعلام إلى ترامب… ولماذا يستمتع هو بذلك؟
يرى ماك آرثر أن ترامب لا ينزعج من الهجوم الإعلامي، بل يستمتع به لأنه يضمن بقاءه في مركز المشهد. فالهجوم، مهما كان عنيفًا، يحقق له ما يريده دائمًا: الانتباه.
ومن هنا، تصبح المواجهة التقليدية معه – عبر الغضب المستمر واللغة التصعيدية – أداة تعزز حضوره بدل أن تحد منه. ولهذا يقترح المتخصصون أن يكون تعامل الصحافة مع ترامب كما يتعامل الأهل مع طفل مشاغب:
ليس بالتجاهل الكامل، لكن أيضًا ليس بالانفعال الدائم، بل بالهدوء والانضباط وربما “اللامبالاة المدروسة”.
و يحذّرالمتخصصون في الوقت نفسه من أن السخرية المفرطة قد تكون سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن أن تحفّز ترامب على مزيد من التصعيد بدل ردعه، كما حدث حين اعتُبرت سخرية باراك أوباما من ترامب عام 2011 من العوامل التي غذّت طموحه السياسي.
ترامب في منظور Psychology Today: شخصية تزعزع مفهوم القيادة والحقيقة
تذهب منصة Psychology Today أبعد من توصيف ترامب كشخصية سياسية مثيرة للجدل، معتبرة أنه أعاد تشكيل المفاهيم التقليدية للقيادة. فالصفات التي تُعد مرغوبة عادة في القائد – مثل التواضع والصدق والرحمة والاجتهاد – لم تكن هي التي صنعت صورته العامة، بل على العكس، ظهر كنموذج “الرجل القوي” الذي يعتمد على الصدام، الاستعراض، والاستفزاز.
وتشير Psychology Today إلى أن رئاسة ترامب جعلت الفوضى والصراع جزءًا من “الطبيعة اليومية” للبيت الأبيض، مع مؤشرات مثل:
- إحاطات صحافية عدائية
- تغييرات متكررة في الطاقم الإداري
- خطاب سياسي حاد يعمّق الانقسام الاجتماعي
كما تسلط المنصة الضوء على تأثير ترامب في علاقة المجتمع الأميركي بالحقيقة. فبينما عرف التاريخ السياسي الأكاذيب والتلاعب، إلا أن عصر ترامب – بحسب التحليل – ساهم في إضعاف فكرة “الحقيقة الموضوعية”، وتوسيع مفهوم “الحقائق البديلة”، ما أدى إلى انقسام حاد في الوعي العام بين معسكرات معلوماتية منفصلة.
هل يمكن تشخيص ترامب نفسيًا؟ جدل مهني وسياسي
أحد أكثر الجوانب حساسية في النقاش هو محاولة تفسير ترامب عبر مصطلحات سريرية. فقد أشار تقرير Psychology Today إلى أن العديد من علماء النفس والمعلقين حاولوا ربط سلوك ترامب باضطرابات مثل:
- اضطراب الشخصية النرجسية
- اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع
- اضطراب الشخصية الارتيابية (البارانويا)
كما ذكرت المنصة أن أكثر من 70 ألف متخصص في الصحة النفسية وقعوا عريضة تحذر من خطورته المحتملة، رغم وجود قاعدة مهنية معروفة تمنع “تشخيص” الشخصيات العامة دون فحص مباشر، وهي القاعدة التي تعرف بـGoldwater Rule.
الجدل وصل إلى مستويات دستورية، إذ أثار سلوك ترامب نقاشًا متكررًا حول إمكانية اللجوء إلى التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي، الذي يسمح بنقل السلطة إذا اعتُبر الرئيس عاجزًا عن أداء مهامه.
“التلاعب بالواقع” ونظريات المؤامرة: أدوات سياسية أم سمات نفسية؟
من بين المصطلحات النفسية التي ارتبطت بترامب بقوة، يبرز مفهوم Gaslighting، وهو أسلوب تلاعب يجعل الناس يشككون في إدراكهم للواقع عبر تكرار الأكاذيب والتناقضات وإعادة صياغة الحقائق.
وتشير Psychology Today إلى أن ترامب استخدم هذا النمط بشكل متكرر، سواء عبر إنكار وقائع موثقة أو اتهام الإعلام بتزييف الحقيقة، ما دفع البعض إلى اعتبار أن سلوكه يخلق بيئة عامة من الشك والارتباك والانقسام.
كذلك، لعب ترامب دورًا بارزًا في نشر أو تضخيم نظريات المؤامرة، بدءًا من قضية “مكان ولادة أوباما”، وصولًا إلى التعامل مع أفكار مرتبطة بحركات مثل QAnon. ووفق التحليل، فإن نظريات المؤامرة تزدهر في أوقات الأزمات وتجد بيئة خصبة لدى الأشخاص الذين يشعرون بانعدام الثقة أو الحاجة الشديدة لإجابات قاطعة.
خطر ترامب الحقيقي: سياسات فاشلة… وغضب شعبي محتمل
يرى ماك آرثر أن سياسات ترامب – مثل فرض الرسوم الجمركية أو التشدد في ملف الهجرة – قد تفشل في تحقيق وعودها الاقتصادية والاجتماعية. فعودة المصانع من المكسيك ليست مسألة شعارات، بل ترتبط بعوامل مثل انخفاض الأجور والحوافز الاستثمارية. كما أن ترحيل المهاجرين لن يؤدي سريعًا إلى رفع الأجور، وقد يخلق نتائج عكسية.
لكن الأخطر، ليس فشل السياسات بحد ذاته، بل رد فعل مؤيديه إذا اكتشفوا أنهم تعرضوا للخداع. إذ قد يتحول الغضب الشعبي إلى موجة انتقام سياسي واجتماعي تطاول خصوم ترامب أكثر مما تطاول ترامب نفسه، الذي يستطيع دائمًا الانسحاب إلى حياته الخاصة.
ترامب… رئيس بلا رؤية بعيدة، لكنه يملك شهية لا تنتهي للضجيج
الخلاصة التي يجتمع عندها التحليلان أن ترامب لا يُفهم كسياسي تقليدي يملك مشروعًا واضحًا، بل كشخصية تتغذى على الصراع والانقسام والضجيج. فحين يصبح الاهتمام هدفًا بحد ذاته، تصبح القرارات السياسية أحيانًا مجرد أدوات لإنتاج الإثارة.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون الخطر الأكبر هو “الخطة” التي ينفذها ترامب، بل نزواته السريعة، وتأثره بمن حوله، واستعداده لتبني أي فكرة تضمن له العاصفة الإعلامية التالية.
وهنا تحديدًا يتقاطع علم النفس مع السياسة: عندما يصبح الحكم انعكاسًا لشخصية تبحث عن الهيمنة الرمزية لا عن الإنجاز، تتحول الدولة إلى مسرح، ويتحول المجتمع إلى جمهور منقسم بين من يصفق ومن يصرخ.
ترامب في منظور Psychology Today: شخصية تزعزع مفهوم القيادة والحقيقة
تذهب منصة Psychology Today أبعد من توصيف ترامب كشخصية سياسية مثيرة للجدل، معتبرة أنه أعاد تشكيل المفاهيم التقليدية للقيادة. فالصفات التي تُعد مرغوبة عادة في القائد – مثل التواضع والصدق والرحمة والاجتهاد – لم تكن هي التي صنعت صورته العامة، بل على العكس، ظهر كنموذج “الرجل القوي” الذي يعتمد على الصدام، الاستعراض، والاستفزاز.
وتشير Psychology Today إلى أن رئاسة ترامب جعلت الفوضى والصراع جزءًا من “الطبيعة اليومية” للبيت الأبيض، مع مؤشرات مثل:
- إحاطات صحافية عدائية
- تغييرات متكررة في الطاقم الإداري
- خطاب سياسي حاد يعمّق الانقسام الاجتماعي
كما تسلط المنصة الضوء على تأثير ترامب في علاقة المجتمع الأميركي بالحقيقة. فبينما عرف التاريخ السياسي الأكاذيب والتلاعب، إلا أن عصر ترامب – بحسب التحليل – ساهم في إضعاف فكرة “الحقيقة الموضوعية”، وتوسيع مفهوم “الحقائق البديلة”، ما أدى إلى انقسام حاد في الوعي العام بين معسكرات معلوماتية منفصلة.
هل يمكن تشخيص ترامب نفسيًا؟ جدل مهني وسياسي
أحد أكثر الجوانب حساسية في النقاش هو محاولة تفسير ترامب عبر مصطلحات سريرية. فقد أشار تقرير Psychology Today إلى أن العديد من علماء النفس والمعلقين حاولوا ربط سلوك ترامب باضطرابات مثل:
- اضطراب الشخصية النرجسية
- اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع
- اضطراب الشخصية الارتيابية (البارانويا)
كما ذكرت المنصة أن أكثر من 70 ألف متخصص في الصحة النفسية وقعوا عريضة تحذر من خطورته المحتملة، رغم وجود قاعدة مهنية معروفة تمنع “تشخيص” الشخصيات العامة دون فحص مباشر، وهي القاعدة التي تعرف بـGoldwater Rule.
الجدل وصل إلى مستويات دستورية، إذ أثار سلوك ترامب نقاشًا متكررًا حول إمكانية اللجوء إلى التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي، الذي يسمح بنقل السلطة إذا اعتُبر الرئيس عاجزًا عن أداء مهامه.
“التلاعب بالواقع” ونظريات المؤامرة: أدوات سياسية أم سمات نفسية؟
من بين المصطلحات النفسية التي ارتبطت بترامب بقوة، يبرز مفهوم Gaslighting، وهو أسلوب تلاعب يجعل الناس يشككون في إدراكهم للواقع عبر تكرار الأكاذيب والتناقضات وإعادة صياغة الحقائق.
وتشير Psychology Today إلى أن ترامب استخدم هذا النمط بشكل متكرر، سواء عبر إنكار وقائع موثقة أو اتهام الإعلام بتزييف الحقيقة، ما دفع البعض إلى اعتبار أن سلوكه يخلق بيئة عامة من الشك والارتباك والانقسام.
كذلك، لعب ترامب دورًا بارزًا في نشر أو تضخيم نظريات المؤامرة، بدءًا من قضية “مكان ولادة أوباما”، وصولًا إلى التعامل مع أفكار مرتبطة بحركات مثل QAnon. ووفق التحليل، فإن نظريات المؤامرة تزدهر في أوقات الأزمات وتجد بيئة خصبة لدى الأشخاص الذين يشعرون بانعدام الثقة أو الحاجة الشديدة لإجابات قاطعة.
خطر ترامب الحقيقي: سياسات فاشلة… وغضب شعبي محتمل
يرى ماك آرثر أن سياسات ترامب – مثل فرض الرسوم الجمركية أو التشدد في ملف الهجرة – قد تفشل في تحقيق وعودها الاقتصادية والاجتماعية. فعودة المصانع من المكسيك ليست مسألة شعارات، بل ترتبط بعوامل مثل انخفاض الأجور والحوافز الاستثمارية. كما أن ترحيل المهاجرين لن يؤدي سريعًا إلى رفع الأجور، وقد يخلق نتائج عكسية.
لكن الأخطر، ليس فشل السياسات بحد ذاته، بل رد فعل مؤيديه إذا اكتشفوا أنهم تعرضوا للخداع. إذ قد يتحول الغضب الشعبي إلى موجة انتقام سياسي واجتماعي تطاول خصوم ترامب أكثر مما تطاول ترامب نفسه، الذي يستطيع دائمًا الانسحاب إلى حياته الخاصة.
ترامب… رئيس بلا رؤية بعيدة، لكنه يملك شهية لا تنتهي للضجيج
الخلاصة التي يجتمع عندها التحليلان أن ترامب لا يُفهم كسياسي تقليدي يملك مشروعًا واضحًا، بل كشخصية تتغذى على الصراع والانقسام والضجيج. فحين يصبح الاهتمام هدفًا بحد ذاته، تصبح القرارات السياسية أحيانًا مجرد أدوات لإنتاج الإثارة.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون الخطر الأكبر هو “الخطة” التي ينفذها ترامب، بل نزواته السريعة، وتأثره بمن حوله، واستعداده لتبني أي فكرة تضمن له العاصفة الإعلامية التالية.
وهنا تحديدًا يتقاطع علم النفس مع السياسة: عندما يصبح الحكم انعكاسًا لشخصية تبحث عن الهيمنة الرمزية لا عن الإنجاز، تتحول الدولة إلى مسرح، ويتحول المجتمع إلى جمهور منقسم بين من يصفق ومن يصرخ.